(١)
رأيتها على الحالين؛ نضارة الربيع و إشراقه حيث كل شئ راقص البهجة حولي، وحيث ترى أينما وليت وجهك ومددت طرفك لونا جميلا ومنظرا ترتاح عنده العين قد تآلفوا فيما بينهم كأنما هم على ميعاد وذلك يوم الزينة.
وتبعثرت أفكاري حينها؛ آونة تخلبني ألوان الثمار الباهرة وعناقيدها المتراكبة المزهوة بنضارتها والتماعها فأفكر فيها مائدة شهية للبصر تسرح فيها العيون وتتبختر في انحاءها وافياءها، ولحواصل الطيور التي تراوح من غصن لغصن في جذل وحبور وأفكر فيها أحيانا كما لو كانت بمهرجان من الالوان كأنما تتبارى الكائنات جميعا في التبدي بأبهى صورة... كصانع بارع جعل يختزن في ليل الشتاء الطويل كل ما يطيقه عقله وقلبه ويده ويتفنن في ابتكار الصور الفاتنة ثم يدخرها للحظة انكشاف ذلك البياض المعمم للافاق ليكشف حينها عن أسرار صنعته الفاتنة ويرضي غريزته الفنية التي عطلها واضر بها الشتاء.
فكرت فيها أيضا كما لو كانت مصالحة واسترضاء تبذله الأشجار والنباتات لقاطنيها وأصحابها من الطيور تعوضهم بها عن شح الشتاء وجدبه فتبذل لهم الوانا من الطعام الشهي بوفرة مغرية حريصة على أن تجلوها لهم في أجمل حلة وأبهجها تترضاهم وتسألهم غفرانا عن ضيق ذات يدها قبل اليوم. ثم فكرت فيها دورة غالبة وسلطانا قائما وحكما مفروضا تخضع له اعناق تلك الكائنات جميعا إذ تتبدل بها الفصول فتتبدل هيئاتها وزيناتها فتعرى ثم تكسى وتنحسر ثم تفيض.. في تعاقب لا يمل ولا يكسل ولا يضيق بحاله.. هكذا قدرت..
ثم رأيتها في ظل قساوة الشتاء وجدبه ..حيث تتبدى كهياكل شاحبة قد عرت من زينتها وخلت من زوارها وغاضت بهجتها. غمرها المطر وزحف على نواحيها الصقيع وتلاحقت عليها الرياح الهوج تعصف بها ولا تترفق وتذريها أشتاتا ولا تتمهل. ولم أزل اعاودها واعاود النظر إليها فأرى العناقيد المتراكبة و الثمار المتهدلة تساقط شيئا فشيئا وما عز سقوطه فهو يذبل وتغيض نضرته حتى تهي صلته بغصونه فتحمله الريح مستسلما أو تتلقاه الارض لتطوي عليه صدرها، وعلى ذلك فقد راعني تلك الحبات المتناثرة هنا وهناك قد اوى بعضها لبعض كأنما هي عائلات صغيرة يستدفئ افرادها معا، حمراء باهرة لم تغض نضرتها ولا ذبل رونقها ولا حملتها الريح.
بدا لي الأمر حينها كما لو كانت تفي لحواصل الطيور كأنها أخذت على انفسها ميثاقا أن لا تزال تبسط من رزقها لمن يفد عليها لا يمنعها من ذلك صقيع أو برد وتتكلف لأجل ذلك ما تطيق وما لا تطيق لتبقى متعلقة باهداب اغصانها.
شعرت بامتنان الطير وسعادته إذ يطوف بالارجاء يكاد يهلكه السغب وطول الصبر عليه فتأخذه عينه فيطير إليه رزقا طيبا يسد جوعة ويحي ليوم آخر.
بدا لي الأمر كما لو أن جماعة الأشجار قد تواطئت على اتفاق بينها.. أن يتولوا ما بينهم توزيع الرزق الوارد عليهم فيؤثرن من بينهم احداهن على شرط أن تحفظ تلك الثمار وتمد منها لكل آكل وجوعان. قد رضوا باحتمال قسوة الشتاء على أن تنجو منه احداهن وتحفظ عهدها وتبسط مائدتها. فكرت في حبات التوت تلك بحمرتها القانية روحا عتية قد نذرت أن تعبر الشتاء إلى الربيع صابرة مغالبة باذلة من نفسها لمحتاج أو ضعيف قد هونت عليها الغاية المرجوة ثقلَ الأعباء وعنتها.
فكرت فيها لا خاضعة لناموس قهري لا حيلة لها فيه وإلا لاستسلمت للريح تحملها حيث تشاء. لكن حالمة مدبرة تمتثل للقضاء في غير ثورة صاخبة ولا استسلام ذليل بل تجود بالموجود.. تؤنس الوحشان وعابر السبيل ومن لا يجد فيها طعاما إذ تسره بمنظرها وتطعم من يحتاج قوت يومه.. جهد المقل ووسع الضعيف.. لا يعني ذلك أن الشتاء قد يسلم لها ويقيها شيئا من جدبه أو برودته.. هو أيضا ممتثل لناموسه يدرك أن من وراءه تمهيد الربيع فهو يمنح أولئك الصناع المهرة فرصة لتجويد فنهم وتهيئة موائدهم ويحمل النفوس جميعا على الاشتياق لهم... يتحمل في صبر نظرات الشزر وتأفف الضجرين.. يعلم أنه بذلك يؤثر الربيع على نفسه بالحب ويجد في ذلك على ضآلته رضا ومقنعا..
(٢)
كانت تلك المدينة الجامعية الصغيرة التي سكنتها أول اغترابي للدراسة ما فتح عيني على ما تفعله بنا المدن وما تمنحه لنا أو تصوغه فينا وإن لم نفطن له، تجعلنا بعض المدن كما يقول هشام مطر اقدر على فهم بعضنا، وبعضها كذلك يجعلنا اقدر على فهم أنفسنا والاصغاء إليها ويمهد السبيل لإعادة التعرف عليها وعلى دوافعها.
كانت تلك المدينة من الصغر والهدوء والارتماء في حضن ما ظننته حينها بوعي ابن السهل الممتد والذي لم تألف عيناه باستثناء هضبة المقطم ما يمكن تسميته بالجبل، جبلا بحيث رحت أقطعها مشيا كل ما واتت الفرصة، انحدر مع الأزقة واصعد فيها واميل مع الطريق حيث يميل إلى حيث تأخذني قدمي، بدا لي حينها ، وبصورة مفاجئة في إشراقها الباهر وبداهتها كذلك، ما يتجاوز وظيفية المدن من مجرد كونها مواضع للسكنى والمرافق والمؤسسات ينتقل فيها المرء من نقطة لنقطة، كان ذلك الإدراك مفاجئا لانه لم يكن جديدا من الناحية النظرية او من ناحية الفكرة بحد ذاتها لكنه بدا من حيث الامكانية والتحقق بكرا غير معهود ولا مألوف.
أن تمنحك المدينة قدرا من الطمأنينة الهادئة التي تطلق قواك من عقالها لم يكن بالمعتاد. القاهرة على ثراءها وغنى نواحيها بالتاريخ المبعثر والملقى كأكوام بعضها فوق بعض صاخبة لا تهدأ، هادرة لا تتريث، تحتاج صبرا طويلا حتى تسمح لك بشئ مما تدخره اذا اسعفك الزمن ولم يقض أهلها على كل امل داخلك!
كانت تلك المدينة الصغيرة نقطة البداية، تضافرت طبيعتها مع الغربة في لفت العين نحو المدينة القديمة ومبانيها، ونما بداخلي شيئا فشيئا تلك الرغبة في النفاذ لفهم طبيعة الابنية وما يكمن وراءها وما تصنعه بنا وتشكل به وعينا ورؤيتنا، بالأمس فقط كنت أفكر كيف يمكن للضوء والظل، ضخامة البناء ومهابته والشعور الذي يلقيه في النفس، الانفراد أو الانطواء وسط جمع، كيف يمكن لكل ذلك معا أن يؤثر في شعور المرء بالمكان من حوله، بحيث يمكن أن يقال أن لبعض الاماكن اثرا سحريا في لطفه ورقته و لبعضها اثرا ثقيلا بغيضا لا يفلح في دفعه كل ما يمكن استحضاره من خواطر وافكار، كان ذلك في معرض المقارنة بين مبنى دار الكتب المصرية وذكرى اولى خطواتي داخلا وكيف لفني حينها الضيق والقلق في مقابل المكتبة العامة البافارية وما يغمرني من الشعور داخلها بالالفة والانس، او ذلك الشعور الهائل بالراحة الذي اعترى اخي في جامع المؤيد ولم يزل يكرره علي ويصفه حتى تشبعت به.
في ظل ذلك الانشغال بالمدن وعمارتها، وفي ذلك السياق من الاغتراب الذي ذكرت والذي فيه تنفتح العين على مشهد والقلب على آخر (العقل في الوادي والقلب في الشعب) أقول كنت دائما أقف حائرا ازاء الكنائس هاهنا، من بعيد مطلا ومشرفا ثم من قريب مغمورا بظلها الهائل، أجد في قلبي روعا ومهابة ولولا النور والبشر من حولي لقلت الخوف، كنت افكر في الغاية من تلك الاسنة المدببة والابراج العالية والمزاريب الهائلة المخيفة والتي بالضد من الداخل الفسيح الملون والمزين بالتصاوير واللوحات والشموع والغناء، كنت أعجب كذلك من ذلك التناقض بين العالم الفسيح بالخارج والذي يمكن الاحساس به بقوة بسبب تلك المساحات الخالية الممتدة حول الكنائس مع الشعور بشئ من الانقباض بالداخل كما لو كانت بناء محكما وقلعة حصينة غايتها صيانة المؤمنين من العالم وآفاته ومخاوفه وعلله وشروره، وتصبح حينها واحة الامن من بعد الخوف في ذلك العالم المائج وتغدو تلك التماثيل المخيفة انما هي لطرد تلك الشرور وصدها.
بدا لي ذلك لطيفا ولكن في الوقت نفسه مختلفا ومباينا لتلك الرؤية المسيطرة على تصميم المساجد الجامعة، لا اقصد الافتعال لكن ألا تبدو تلك الساحة الرحبة المودعة بين الاروقة المختلفة المطلة عليها ساحة موصولة بالسماء مباشرة ؟ لا يعزل المسجد المؤمنين عن العالم من حولهم ولا يصمه بالشر ولكنه يتحول بمثابة مرفأ تخلو فيه الروح الى بارئها مستريحة قليلا من عنت الدنيا وعناءها، العتبة هاهنا هي المداخل الضخمة والبوابات الهائلة التي كما ذكر جمال الغيطاني غايتها أن تشعرك بمعنى الانفصال.. الخروج من عالم والولوج إلى آخر بما يقتضيه ذلك من تهيئة للنفس وتهيؤ للصلة بالخالق.
" إن لعبة الخارج المتواضع والداخل الباهر، السكون الوادع في الخارج والاعتناء والاهتمام المُتَأَنِّيين في الداخل، والوجه الحيي والهادئ الذي يخفي قلبًا مُتَّقدًا، إنما هي عادة سيينية، خدعة سحرية يحلو للمدينة إتيانها. إنها لا تفعل هذا رغبةً في الإدهاش فحسب، بل أيضًا، كما شعرت في تلك الأيام الأولى، لإبراز إمكانية التَّحوُّل التي يتسم بها اجتياز عتبة ما.
إننا في الأغلب لا نفكر في هذا أبدا، في كيفية تبدل إحساسنا بالوجود على نحو رهيف بالدخول حتى إلى أقل الأبنية أهمية أو بالانتقال من غرفة إلى أخرى. في عصرنا، أصبحنا نقلل من شأن الفن المعماري بتضخيم منافعه. إننا غالبًا لا نفكر في الأبنية بوصفها مساحات تتشكّل فيها حياة الإنسان، بل بوصفها مواقع لوظائف وأنشطة معينة. سيينا تقاوم هذا. يبدو الأمر كأنَّ السُّور الذي يطوق المدينة مثل شريط، حاجز مادي بقدر ما هو حجاب روحي. إنه هناك لصد الجيوش الغازية، وكذلك للحفاظ على إحساس سيينا بنفسها وتعزيزه. ليس الاستقلال هنا شأنا سياسيا فحسب، بل شأن روحي وفلسفي أيضًا، يوازي سيادة الروح، والحق في الوجود وفق طبيعة المرء، فضلا عن الحاجة إلى عدم إغفال النظرة إلى الذات."
شهر في سيينا - هشام مطر
هل يمكن ادراك اي شئ من ذلك بدون تسكع في جوانب المدينة اي مدينة ، بدون الاسترسال مع ايقاعها ومحاولة استيعابه وتحقيق قدر من التوافق معه ؟ ألا يشحذ المرء نفسه على لوح المدينة كما قال هشام مطر ؟ فمنها ما يرهف الحد ومنها ما يثلمه ؟










