(لوحة لباسكال كوسته عن البيوت المطلة على الخليج)
“لا تعني كلمة Tristesse ألماً يصيب فرداً واحدا؛ إن كلمة الحزن وكلمة Tristesse توحيان كلتيهما بشعور مشترك، مناخ وثقافة يشترك فيهما ملايين. لكن الكلمتين والمشاعر التي يصفانها ليست متماثلة، وإذا كان لنا أن نحدد الاختلاف فلا يكفي أن نقول إن إسطنبول أغنى بكثير من دلهي أو ساو باولو، (إذا ذهبت إلى الأحياء الفقيرة فستجد أن المدن وأشكال الفقر متشابهة جداً). يكمن الاختلاف في أن إسطنبول بها في كل مكان بقايا واضحة لحضارة رائعة انتهت أيامها. إن المساجد العظيمة والآثار الأخرى في المدينة وبصرف النظر عما تعرضت له من سوء وإهمال وحصار بالمسوخ الخراسانية، بالإضافة إلى حطام الإمبراطورية المتناثر في كل الشوارع الجانبية والأركان - الأقواس الصغيرة والنافورات والمساجد المجاورة -تدمي قلب كل من يعيش بينها.
لا نرى في إسطنبول ما نراه في المدن الغربية حيث تحفظ بقايا الإمبراطوريات العظيمة كمتاحف للتاريخ وتُعرض بزهو. يواصل أهل إسطنبول حياتهم ببساطة بين الخراب. ويرى كثير من الكتاب والرحالة الغربيين روعة في هذا. لكن هذا الخراب يذكر سكان المدينة الأكثر حساسية وذوقاً بأن المدينة الحالية يعمها الفقر والفوضى بدرجة لا تجعلها تحلم مرة أخرى بالوصول إلى قمم الثراء والقوة والثقافة التي وصلتها من قبل. لم يعد ممكناً أن نزهو ونبتهج بهذه الديار المهملة التي تحيط بها القذارة والأتربة والوحل، أو نسعد بالبيوت الخشبية القديمة الجميلة التي شاهدتها تحترق بيتاً بيتاً وأنا طفل.”
أورهان باموق
كان الأمر مختلفا للغاية هذه المرة، في العادة انشغل طويلا قبل سفري بالإعداد له وتحديد الأماكن التي أرغب بزيارتها والتجول فيها مع التهيؤ لالتقاط الكثير من الصور وحشد ما يمكن قراءته والاطلاع عليه تمهيدا لتلك الجولات مع الكثير من ملاحقة الفيديوهات المختلفة عن تلك الأماكن وتقليب خرائط جوجل على كافة وجوهها وبعثرة العلامات فيها كمحاولة أخيرة للإحاطة بما سنمر عليه تجنبا لتلك المرات التي وقفنا فيها تغمرنا الحيرة دون أن نتمكن من معرفة أي اثر ذاك الماثل أمامنا او ان نصل لطرف خيط بشأنه.
(مقطع من خرائط جوجل موقع عليها المعالم للاستهداء)
فعلت ذلك حين هممنا بزيارة صحراء المماليك ومقابر السلاطين وكذلك حين اخترقنا شارع الصليبة حتى باب الوداع متوقفين عند كل زاوية وأثر. لم افعل شيئا من ذلك هذه المرة، يغمرني منذ فترة ليست بالقصيرة ذلك الشعور بوهن تلك الصلات بالقاهرة وعجزها عن منح المرء ذلك الشعور بالالفة والاتصال بها والقدرة على التقاط روح المدينة.
ما الذي تستطيع أن تدركه عين الغريب في الأيام القليلة والساعات المحدودة مهما اتسع اطلاعه او عظم تعلقه ورغبته في التعرف على المدينة سوي النزر اليسير، المفتقد هاهنا الزمن الذي تنضج فيه مثل هذه العلاقة أو التصور، الزمن الذي يمنح العين والقلب فرصا للتغلغل وراء الظاهر من ملامح المدينة وما ينكشف عند أول وهلة مخادعا صارفا عما وراءه. استغرقني هذا الشعور وصرفني عن عادتي حتى صرت بالقاهرة من جديد بعد شهور طويلة من آخر زياراتي حائرا ماذا افعل ؟
قررت من ثم أن ارسل نفسي على سجيتها وأطلق العنان لقدمي كي تدفعني في الشوارع والازقة حسبما يحلو لها من غير تحديد طريق معين لبلوغ الأماكن التي أريد، بدا لي خلال تلك الرحلات ان على من يروم التسكع في نواحي القاهرة ان يتهيأ للمفاجآت، السارة والمزعجة معا، المبهر فيها أنها تُلقى هكذا بوجهك دون مبالاة ودون تهيؤ وعلى غير تمهيد، تبدو من العدم فجأة ومن حيث لم تحتسب أو تتوقع فتجد نفسك مبهوتا ازاءها قد احتبست أنفاسك من جلالها وروعتها متأملا طويلا كيف ومتى وأين وماذا ؟
دون أن تجد الكثير من الاجابات، كنت أقطع ذلك الشارع العتيق شارع نوبار (وإن كنت أحب اسمه القديم شارع الدواوين واجده اكثر دلالة) في اناة وبطء متأملا صفوف الأشجار على الجانبين وابنية الوزارات المهترئة المتقادمة، واذا بي ينتزعني من أفكاري السارحة ذلك المبنى الهائل لوزارة ما أظنها وزارة الداخلية مخرقة منتزعة احشاؤها كطلل هائل قد انتصب فجأة مروعا العين من ذلك الخراب الذي غزاه وشاع في نواحيه.
تعلقت عيني به في كل خطوة خطوتها فزعا من هيئته التي بدا بها ميتا متحللا في قلب القاهرة النابض! لم تكن هيئته سوى اولى مفاجآت تلك اللحظة فما إن حولت عيني يمينا حتى لاحت لي من وراء الاشجار مأذنة ماثلة على طراز يحاكي الطرز المملوكية المشهورة وقد طار جوسقها ونصفها الأعلى في تناقض صارخ بين الهيئة التي لا تشي بذلك العتق ازاء تهاوي نصفها الأعلى.
رحت ارنو للجامع ابحث عن لوحة تعرف به وبتاريخ انشاءه او رنك صاحبه من الامراء او السلاطين ان كان عتيقا، لم يبد سوى اسمه مسجد الشامية! رحت اتخيل من عساها تكون الشامية التي تملك أن تنشأ جامعا كهذا على هذا الطراز في تلك البقعة ومن أين أتت النسبة ولماذا اختفى الاسم وراءها، سأعرف لاحقا انه مسجد أنشأته السيدة فاطمة برلنتي من بني العظم عام ١٨٩٨ في تلك الفترة التي شهدت فورة العمارة والترميم في ظلال عهد عباس حلمي الثاني وولعه المعماري الذي منح القاهرة في عهده وعهد لجنة حفظ الآثار ذلك البريق الذي مازال يشع في نواحيها من تحت التراب المتراكم!
لم تسعني معرفة الكثير ولم أكد امضي في طريقي خطوتين حتى بدت واجهة سبيل سحرية الطابع عتيقة الطراز في منتصف ذلك السور الذي احاط بمبنى الوزارة الخرب، رحت ادقق فيما خُط على ذلك السبيل محاولا معرفة اصله او موضعه من مبنى الوازرة وكيف تراصفا معا، فشلت في الوصول لشئ وراح أحدهم وقد رآني التقط الصور يخبرني كيف كان البناء في الاصل قصرا ثم تحول لوزارة ثم هاهم في اثناء عملية نزع احشاءه تمهيدا لنقضه تماما! أليس عارا أن يفعلوا ذلك ؟ نطق بذلك في خفة وهو يواصل سعيه ويهم بركوب عربيته والمضي، كلمتين طق حنك كما يقال، لهذه الآثار رب يحميها ومن ثم فهي متروكة لمصيرها
لامبالاة تكيفية تذكرني بما قال باموق عن تعامل اهل اسطنبول مع قدرهم بالحياة فيها وفي ظلال ذلك المجد المندثر والخرائب المتناثرة
“لكن الطريق الأسرع للفرار من حزن الخراب هو تجاهل كل الآثار التاريخية، وعدم الانتباه إلى أسماء تلك البنايات أو خصائصها المعمارية. لقد ساعد الفقر والجهل عدداً كبيراً من أهل إسطنبول للوصول إلى هذه النتيجة. وأصبح التاريخ كلمة بلا معنى؛ أخذوا أحجاراً من أسوار المدينة وأضافوها إلى مواد حديثة ليشيدوا بنايات جديدة، أو حاولوا ترميم البنايات القديمة بالخرسانة. لكنه يلاحقهم؛ بإهمال الماضي وقطع أواصرهم به صار الحزن الذي يشعرون به في جهودهم العادية الجوفاء أعظم. ينبثق الحزن من الألم على كل ما ضاع، لكنه أيضاً يجبرهم على ابتكار هزائم جديدة وأساليب جديدة للتعبير عن فقرهم.”
اجتماع مثل هذه التناقضات وتلاحق ظهورها للعين صورة صورة ثم ائتلافها في النهاية مشهدا واحدا ازاءها يوقظ في النفس فيضا من المشاعر المضطربة المتفاوتة يعجز المرء عن وصفها او تقييدها بالكلمات، تمتزج الحسرة بالحزن والخيبة والاحباط و يبزغ السؤال عن السبب والجدوى والسر وراء ذلك التحلل البطئ الذي استسلمت له النفوس وقبلت بالتعايش معه فلا يجد من يحاول ابطاءه او عرقلته بل تعتاده العين ثم تتجاهله وتواصل طريقها على هامشه.
(تبدو على البعد مأذنة عثمانية حيية متوارية)
على كل حال، من بين مفاجآت القاهرة التي تعلق بها قلبي في اثناء جولاتي تلك الأطلالات التي تطالعك بها المآذن العتيقة بين الحين والآخر على غير توقع منك، شعرت في ذلك بقدر عظيم للغاية من الدفء والطمأنينة والسكون في ظل الحركة المائجة والتدفق الذي لا ينتهي للبشر متداخلا مع كل ما يخطر بالبال من وسائل النقل، في ظلال ذلك القلق الهائل كانت المآذن تلوح لي متوارية من بين العمارات الضخمة والبيوت المتقاربة كذكرى للصلة بين السماء والأرض، كنوع من التربيت الحاني أن الله قريب وأن أسباب الأرض لم تزل موصولة بالسماء لم تنقطع.
شعرت معها بألفة وتوحد من يتعرض مثلها للمصير نفسه من الاخفاء وتعالي المباني من حولها تكاد تخنقها وتطمسها، تلك المآذن التي هيمنت يوما ما على سماء القاهرة وزينتها تطامنت وخضعت وتوارت وراء طوفان البشر الهائل والطموحات الاسكانية المخفقة والمركزية الساحقة التي فجرت قلب القاهرة بطوفان لا ينتهي من البشر يبحثون عن السكنى فيها سبيلا لترق اجتماعي وحياة افضل غير مكفولة خارجها!
(لاحظ من فضلك الزعيم الخالد معلقا مكررا في ضيافة السلطان، للخلود ومحاولاته صور مختلفة على كل حال)
من بين المآذن المفاجئة مازلت أحب مأذنتي باب زويلة، رغم معرفتي بوجودهم إلا أن فؤادي مازال يخفق كلما لاحا لي بالافق في نهاية انحداري من شارع سامي البارودي باتجاه الخليج (شارع بورسعيد)، أقف متأملا كل مرة ذلك الظهور المتأني و الباهر رغم ما أحاط بهما من مبان، أفكر في ذلك الوجود الذي استيقنه الفؤاد وما ينجم عنه من راحة تشيع في النفس وتشملها، وجود راسخ مطمئن لم تغيره السنون وصلة ثابتة بالسماء رغم تبدل كل ما حولها وتغيره وكذلك متأملا عبقرية السلطان المؤيد شيخ حين علا بالمأذنتين سور القاهرة، ما الذي خطر بباله حينها ؟ سطوع المأذنتين له كلما عاد من غزوه أو حجه ؟ أم عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم ؟ أم محض التفرد والابتكار والاتكاء على أكتاف السابقين ممن شادوا تلك الأسوار المتينة ؟
افكر في المفارقة بين مآذن مسجد محمد علي ومآذن مسجد المؤيد، بين مسجد ينهض على أنقاض إيوان العدل الناصري والمملوكي في أعلى ربوة من قلعة الجبل مهيمنا على سماء القاهرة منحيا جانبا تراث تلك القلعة كأنما يقطع مع كل ذلك التاريخ الذي سبقه مبشرا بعهد جديد للباشا الذي اخضع مصر كلها لسلطانه وبتر ذلك النسل المملوكي الممتد عبر القرون وبين مسجد ينبثق من سور القاهرة كلبلاب ينمو عليه، تسطع مآذنه على بوابتها، على أنقاض خزانة شمائل سيئة السمعة كريهة الذكر، لست أريد على كل حال تبرئة ساحة المؤيد شيخ فقد كان له مخازيه لكني لا أستطيع التوقف عن تأمل المآذن القائمة بين الناس على اسوار مدينتهم وبين المآذن الملكية المسورة على أعلى ربوة بقلعة الجبل كأسنة الرماح المشرعة!
انحدر كما قلت لشارع الخليج، يثير خيالي كلما مررت به ولا يني فكري يسرح متخيلا كيف كان خليجا تهدر فيه المياه وتستقر على ضفتيه المتنزهات والحدائق وتصل بينهما القناطر المعقودة، انظر من ثم لجامع يوسف اغا الحين في جزيرته المعزولة عن فيض وسائل النقل عن جانبيه ويخالجني الشك كيف كان الخليج يجري من حواليه ؟ وكيف كان يفضي إليه المصلون ؟ هل كان ثم قنطرة اليه ام كان الخليج على ناحية واحدة منه ؟ افكان إذن المصلي فيه يطل على الخليج من شبابيكه ؟
تفتني تلك التخيلات، أتصور المصلين فيه يهدر من حواليهم الماء المتدفق وتمتد امام نواظرهم الحدائق المبهجة! ينطلق الصغار للكتاب فيتلقون العلم في ذلك المشهد البهيج ويقدم الناس من مختلف النواحي لملأ القرب والحصول على المياه من سبيله البديع، حياة كاملة يمتزج فيها الديني بالاجتماعي، ويتعزز في الخاطر والبال دوما صلات الماء والعلم والصلاة والقرآن، عمارة الدنيا والآخرة معا!
أفيق من ذلك على هيئة الجامع كما يبدو لي، اراه معزولا منفيا من الحياة تعلوه القتامة قد انحسرت عنه كل بهجته، تعطل السبيل والكتاب ولم تبق إلا الشعائر تقام في اوقاتها وفقط وعلى جانبيه تندفع وسائل المواصلات اندفاعا لا يرحم، لا إشارة مرور ولا قنطرة تعينك على بلوغه، تحتاج مهارة مكتسبة ودربة بمرواغة السيارات والتلفت الذي لا ينتهي يمينا ويسارا خشية مفاجأة غير متوقعة قد ترميك بالتلف!
يغمرني الشعور العارم بعمومية حال يوسف اغا الحين لجميع آثار القاهرة، كلها محكوم عليها بهذا النفي من عالمنا والتعطل من كل ما خُلقت لأجله إلا أثارة من شعائر قد تعطلت ايضا في بعضها، افكر من ثم ما الداعي من ترميمها اذا كان مصيرها تلك الوحشة والوحدة التي تفصلها عن الناس وتعطل شعورهم بها، لماذا تعطل الأسبلة مثلا واقل ما في الأمر لو اعيد العمل بها أن توفر وظائف وتمنح الناس مشارب كلما احتد بهم الظمأ في حرور القاهرة اللاهب وصيفها الممتد وتجعل من المساجد ظلالا ومأوى تهوي اليه افئدة الناس وتتعلق بها لما يجدون فيها من ري وشبع
(جانب من سبيل مهجور بشارع مراسينا)
المؤلم وفرة تلك الاسبلة على حفافي الشوارع العتيقة كاشفة عن ظلال من ماض حافل كان الامراء والنبلاء فيه تبذل شيئا من أموالها لمراعاة سقاية العابرين وابناء السبيل والدواب، معان من التكافل الاجتماعي وأعمال البر التي تلاشت اليوم، وبتعطل تلك الأسبلة من معانيها الاصلية وخلوها كذلك أحيانا كثيرة من لوحات تضئ أسمائها او تدل على منشئيها تصبح خرائب واطلالا متناثرة منبتة الصلة بمن يقطنها او يمر بها فلا يحمل لها شعورا ولا تقديرا بل لعل الناس تضيق بها وبما تحتله من حيز يرون أنفسهم اولى به والحي أبقى من الميت على كل حال فيحيفون عليها وينقضونها!
(سبيل الخديوي إسماعيل بجوار جامع السلطان الحنفي)
لأجل ذلك يدمى القلب كما يقول باموق كلما مر المرء بهذه الأطلال المتداعية، وتستولي على النفس أنفاس غربتها ونفيها وانعزالها عن الناس والحياة من حولها، ما أشق أن يمضي المرء في مدينة يراها جبانة كبيرة تتناثر في نواحيها شواهد القبور مبعثرة مهدمة متداعية، تنبعث من كل ناحية ذكرى وأثر لمجد زائل لم يعد ثم أمل لا أقول في استعادته ولكن على الاقل في الاحتفاء به واستبقاءه للاعتزاز والفخر بما مضى، وفرة مفرطة في شواهد الماضي المجيد لا تلبث حتى تصبح سببا في زواله والتخلص منه!
ازل هذا وحطم ذاك وخرب أولئك، لدينا المزيد على كل حال ولا مانع ان تدع البعض يتهاوى بنفسه من جراء الاهمال كما قلت هناك دوما ذخر وفير، الابلغ في الايلام أن ثمة اسبلة وآثارا كانت موصولة الاسباب بالناس وكانوا من ثم رعاتها وحفاظ تاريخها وحكاياتها لاستفادتهم منها كمثل سبيل الخديوي إسماعيل بجوار جامعي السلطان الحنفي والشيخ صالح ابو حديد والذي اشتمل على عيادات وجمعية خيرية وقاعة مناسبات ترعى التاس وتقوم على شئونهم ثم تعطل ذلك كله واوصدت دونه الأبواب وقضي عليه بالنفي ليدرك سائر الآثار المتناثرة في قلب القاهرة.
يخطر ببالي من ثم قول راسكن في كتابه عن المصابيح السبعة للعمارة
“ إننا قد نحيا من دون العمارة، قد نتعبد من دونها، لكننا لا نستطيع التذكر من دونها، ما أشد برودة التاريخ كله، وما أشد موات التصوير بالمقارنة مع ما تدونه الأمم الحية وتستقل به أعمدة الرخام! كم من الصفحات من التسجيل المشكوك فيه قد لا نوفره في سبيل استبقاء بضعة أحجار فوق بعضها. لقد كان طموح البنائين البابليين موجها لهذا العالم، فليس هناك سوى امرين بوسعهما مجابهة غزو النسيان؛ الشعر والعمارة والاخيرة تتضمن الأول بصورة ما وهي أشد منه واقوى في الواقع. إنه لمن الحسن أن يبقى لنا لا ما فكر فيه الناس وشعروا به من قبلنا ولكن ما عملته أيديهم كذلك وما أوجدته قدرتهم وما وعته عيونهم على مر أيام حيواتهم. “
(مآذن جامعي السلطان الحنفي وصالح أبو حديد)
امضي في طريقي بعد الصلاة مع صديقي في جامع السلطان الحنفي، نتأمل طرازه المبهرج المفرط في زخارفه وتفاصيله،تدرك العين مباشرة، رغم سعي بُناته الحثيث للتعمية على ذلك، أن الجامع انما هو محاولة لاستعادة الطراز المملوكي العتيق (هل هو نيو مملوك ؟ لست أدري) يتجلى ذلك في الحشد الوافر لكثير من التفاصيل التي عادة ما تتناثر في العمارة المملوكية ولا تجتمع في مكان واحد، كذلك في بعض التفاصيل التي تبدو بلا غاية وظيفة او هي مجرد اقتفاء أثر كدكة المبلغ مثلا والتي تبدو من الداخل بلا هدف سواء لانتفاء الحاجة إليها او لموضع اقامتها والذي يبطل وظيفتها بالاساس.
اقول نمضي خارجين ونتمشى في احد الشوارع المجاورة، تستوقفنا تلك العادة المثيرة في المدينة، اعني مفاجأة طراز قديم للعمارات السكنية بين الحين والاخر وسط مبان حديثة، ننبهر لتلك التصاميم العتيقة مرة وننبهر لتجاور ذلك كله معا القديم والحديث مرة أخرى، واتوقف عند ذلك اشعر بما فيه من تنبيه للعين يمنعها من الاسترسال البليد ويفرض طبيعة المدينة العتيقة والعتية كلما بدا انها توشك ان تضمحل وتتراجع.
افكر كذلك في الوعد الذي كانت تمثله تلك المباني الرائعة، الوعد بالائتلاف بين الوظيفة والشكل، الجمع بين الجمال والسكنى، تمتع العين في مأواها وراحة الجسد في ظل سكناه وبيته، يتقلص قلبي في صدري كلما شهدت كيف انحسرت تلك الوعود وافكر في حيي الطرفي حدائق حلوان، حيث تلوح للعين في كل زاوية بارقة من ماض قريب كان الامل فيه أن يحيا المرء في مكان تكسوه الخضرة ويسوده قدر من النظام والترتيب وتتناثر الأزهار والورود والمباني المهندمة في نواحيه ثم كيف اندثر كل ذلك وانحسر وطغا مد التراب فألقى بآثاره على كل شئ.
أحاول أن اسلي نفسي أقول لصديقي إن هذا النسيج غير المتجانس للعمران رغم كل شئ مازال يثير بعض الامل، تخيل ان يكون ذلك القديم كله قد اندثر ولم يبق منه شئ حينها لم يكن المرء ليتطلع الى شئ كنا سنقبل بما نراه ونسلم أو نستسلم له ولا نطمح لسواه، لكن تلك المفآجات المتناثرة، النتوءات الأثرية العتيقة بقدر ما تثير الأسى بقدر ما تذكرنا بتلك المحاولات القديمة والوعود المخفقة وتنبهنا لإمكانية التغيير، كان هناك بالفعل شئ مختلف، لم يكن الأمر دوما كذلك، نبتسم معا لذلك الامل الواهن، نلتقط بعض الصور خشية الفوات لاحقا ونمضي في طريقنا.
لاحقا سيضحك قائلا لي ألا تلاحظ الشمس والحرارة اللاهبة ؟ أظن هكذا جو يمنع من الاستغراق في هذه الأحزان و التأملات التي تفكر فيها وتشغلك، لعل قدومك من خريف الشمال أثر عليك لكن هاهنا انظر من حولك وتأمل شعورك بالحر والعرق والضيق والاختناق ليس هناك وقت للدراما، هنا تحتبس الأحزان في الصدور لتضمحل شيئا فشيئا مع مرور الأيام ويتصالح المرء مع الزوال والهدم والأنقاض ونفي التاريخ، تألف الحزن وتعتاده وسيبهرك كيف يمنع حريق الصيف الممتد وتتابع الركل والصفع ومطارق الدولة التي يبدو أنها تحتفظ بها وافرة للضبط والقمع بقدر ما تنحسر بها عن ضبط الحياة وتوفير النظام كأنما تدخر كل امكاناتها لذلك وفقط.
في النهاية لا ياسف المرء على فوات ما لم يعرف فمن هنا فإن عدم المعرفة لا أقول الجهل ولكن غياب المعرفة حيلة مجربة ودواء ناجع للتصالح مع العيش بين هذه الأنقاض والشواهد والخرائب المتداعية. هكذا يمكن للمرء أن يواصل حياته بالقدر الذي لا غنى عنه من الكفاءة. لكني على ذلك أحس ان روح القاهرة تنتفض وانها ت fight back، تأمل معي هذه الحركة القوية من التعريف بآثار القاهرة وعمائرها ومدافنها والتي نشطت على صورة مقالات وفيديوهات وكتب وروايات كرد فعل على ذلك التهديم المتواصل في أرجائها والذي انبعثت له الشياطين الحقيرة، قارن ذلك من نفسك مثلا كيف كنت تشعر بمدينتك وآثارها من عشر سنوات مثلا وكيف أصبحت اليوم معلقا بها عارفا بها إلى حد ما، هذه ارواح ابن عبد الحكم والصفدي والمقريزي والسخاوي والسيوطي وابن حجر وابن إياس والجبرتي، هذه ارواح المؤرخين الكبار تتبدى من جديد لتجدد صلاتنا بالقاهرة وبكل ناحية منها، وهذا بحد ذاته مما ينعش النفس رغم كل شئ.
“لا يرتفع الظلام بل يصبح أشد ثقلا كلما فكرت في ضآلة مقدار ما يمكن أن تمسكه عقولنا، كيف ينحدر كل شئ الى هاوية النسيان مع كل حياة منقضية. كيف بدا العالم كما لو كان يستنزف نفسه، حيث تواريخ تلك الاماكن و الأشياء التي لا حصر لها والتي لا تملك ذاكرة بنفسها لا يُسمع بها ولا توصف ولا تمرر كذلك لمن يلي. التواريخ من ثم تبدو كحصر القش القابعة كما لو كانت ظلالا فوق الألواح الخشبية للأسرة والتي غدت شيئا فشيئا أقصر واوهى بما تفكك من قشها على مر السنوات! “
زيبالد
(مستشفى أحمد ماهر مشرفة على الخليج)
تواعدنا على اللقاء عند مستشفى أحمد ماهر حيث يعمل، أمضي إليه كعادتي منحدرا الى الخليج (شارع بورسعيد حاليا) ثم متسكعا فيه على مهل، امضي متلفتا مع كل خطوة، علمتني التجربة ان ثمة شئ مخفي بعناية في كل زاوية وجانب، يحتاج الأمر دربة بلاشك لكنه يحتاج بقدر أكبر نوعا من الاستسلام للمكان والتهيؤ لمفاجآته، وعلى العادة كنت على موعد مع لقاء مأذنة القاضي يحيى متداعية الجوسق في مشهد مميز للغاية تعلو فيه المأذنة لوحة تداعت اطرافها تخص دار مناسبات وقهوة ذات كراسٍ ملونة وفي ناحية بونسيانة زاهية لم تستسلم للخريف بعد، لست أدري في الحقيقة سر تداعي مأذنة القاضي يحيى او كذلك سر اختياره هذا المكان القريب للغاية من جامعه الآخر في مهبط الخليج عند التقاءه بشارع الأزهر، احاول تخمين ذلك او معرفة ما الذي حدا برجل سئ السمعة كهذا الرجل ان يبني تلك المساجد المتعددة والباقية حتى يومنا هذا لكني سرعان ما افشل في الوصول لشئ فأواصل سيري.
أبلغ المستشفى فأتوقف عندها قليلا لالاحظ ذلك الاعلان الضخم على جدار عمارة مجاورة لها، إعلان عن شركة متخصصة في استيراد جرارات زراعية يابانية، لا يتوقف عحبي من اختيار المكان لهكذا إعلان (قرب مستشفى ؟ أم لحيوية الشارع أم ماذا ؟) او من حئول ألوانه بحيث أمسى من الصعب للغاية تحديد اسم الشركة أو من مفاجأة أن امثال تلك الجدر كانت من العلو والوضوح للناس بحيث تم استثمارها لمثل هذه الاعلانات وكيف انقضى ذلك كله واصبح تاريخا دارسا قلما يلتفت له.
افكر في كم الحكايات الدارسة لامثال هذه الاماكن والتي كما يقول زيبالد لا تنطق بنفسها وكيف تندفن مع موات أصحابها وعارفيها وكيف يمتد ذلك لكل شبر ولكل شئ من حولنا، كيف تستعجم الحياة كما قال ذو الرمة
واستعجمت دار مي ما تكلمنا والدار لو حدثتنا ذات أخبار!
لأجل ذلك التراكم الزمني تحظى العمارة بمجدها الباذخ في بقاءها وكذلك بالأسى البالغ في زوالها، من أجل ذلك الشهود على التبدل والتغير، من أجل ذلك الثبات كمرساة مع تتابع أمواج البشر.. يصف ذلك كله أبدع وصف راسكن فيقول
"مجد العمارة إنما يتمثل في عمرها، وفي ذلك الحس العميق ببلاغتها/امتلائها بما يقال/بيانها (لا أعلم كيف يمكن ترجمة voicefulness)، في مراقبتها الصارمة، في ذلك التعاطف الغامض، بل في ذلك القبول أو الاستنكار، ذلك الذي نلمسه في تلك الجدران التي طالما غسلتها طويلا أمواج البشر المتعاقبة. يتمثل في بقائها شهودا على الرجال، في مناقضتها المطمئنة للزوال الكامن في كل الأشياء، في قوتها التي ،رغم تتابع الفصول والأوقات وانهيار السلالات وميلادها وتغير وجه الأرض بعامة، وامتداد البحار، تظل محتفظة بهيآتها المنحوتة لأجلٍ لا يُقهر، واصلة الأزمنة المنسية بالمستقبل، مشكلة الهوية كما ترسخ التعاطف مع الأمم. إنها تلك البقعة الذهبية للزمن التي ينبغي أن نبحث فيها عن الضوء الحقيقي واللون ونفاسة العمارة. ولا يدرك بناء شيئا من شهرة حتى تتحقق فيه هذه السمة وحتى يتقدس بأعمال البشر، وحتى تشهد جدرانه على المعاناة وتنهض أعمدته من ظلال الموت، أن يكون وجوده أبقى من كل الأشياء الطبيعية في العالم من حوله، حتى ينال ذلك القدر من البيان وحتى تدب فيه الحياة! "
(منزل عتيق الطراز مطل على جنينة عابدين)
هذا التنقل الدائم بين الأطلال الدارسة ما الذي يصنعه بنا ؟ هل يحولنا لكائنات يستوطنها الحنين الغامض لأزمنة منقضية ؟ لا هي نجحت في التصالح مع ماضيها وقبلت به ولا هي نجحت في العبور لمستقبل واضح المعالم! لست أدري ولا احاول الافتعال وإن كنت اعلم جيدا انه لا مفر منه لمن أمسى غريبا يحاول التقاط الكثير في الزمن القليل! لا مفر من التعميم ولا مفر من الافتراضات الخاطئة ولا مفر من الاوهام ولكن اليس كذلك كل معرفة بشرية ؟ محاصرة بكل تلك الطرق للخطأ والزلل ؟
“لقاك يا مدينتي يخلع قلبي ضاغطاً ثقيلا
كأنه الشهوة والرهبة والجوع
لقاك يا مدينتي ينفضني
لقاك يا مدينتي دموع
أهواك يا مدينتي الهوى الذي يشرق بالبكاء
إذا ارتوت برؤية المحبوب عيناه
أهواك يا مدينتي الهوى الذي يسامح
لأن صوته الحبيس لا يقول غير كلمتين
إن أراد أن يصارح
أهواك يا مدينتي “*
*من قصيدة أغنية للقاهرة لصلاح عبد الصبور
إذا أعجبك شئ مما بالأعلى عن القاهرة فيمكنك أن تجد المزيد هنا


















