“هذه صورة ذاتية لعقل لا يهدأ وغير راضٍ على نحو مزمن، عقل معذَّب، عقل عُرضة للهلوسات. في أثناء سيره في فيينا، يعتقد أنه يرى الشاعر دانتي، منفيًّا من مسقط رأسه متألمًا وقد قتل حرقًا. جالسًا على المقعد الخلفي في زورق بخاري في مدينة البندقية، يرى لودفيغ الثاني ملك بافاريا، راكبًا في حافلة على طول شاطئ بحيرة غرادا باتجاه ريفا، يرى صبيًّا مراهقًا يبدو بالضبط مثل كافكا.
هذا الراوي الذي يعرف نفسه على أنه أجنبي- يسمع مصادفة ثرثرة بعض السُّياح الألمان في فندق، ويتمنى لو أنه لم يفهمهم، «بمعنى أنه كان مواطنًا لبلد أفضل، أو من دون وطن على الإطلاق»، هو أيضًا عقل في حداد. في لحظة يقول الراوي: إنه لا يعرف فيما إذا كان لا يزال في أرض الأحياء أو في مكان آخر فعلًا. "
سوزان سونتاج
"ما إن أقرأ الجملة الأولى من الكتاب حتى أكون كمثل من يجدف بعيدا بعيدا في المياه، وحدها قراءاتي المسائية التي تحفظ علي عقلي بصورة ما!"
سالفاتوري
من جديد في صحبة زيبالد والذي أصبح منذ أن أعدت التعرف عليه مؤخرا صديقا مفضلا للغاية استمتع بصحبته وحكاياته الكثيرة والمتشعبة وتجواله الذي لا ينتهي ولا يستقر على حال، ومزاجه المعتل دوما ولكن من دون افتعال أو كآبة مصطنعة وأحزان وهمية خرقاء، تجوال في المدن واستجلاء للأشباح المتوارية في كل ركن وجانب من تطوافه.
الرعب الكامن !
يستجلي في فصول مختلفة الرعب الكامن في الحب كما ارتآه دكتور ك من بين كل الأشياء المخيفة فالحب أشدها رعبا
"يطور د. ك. نظرية متشذرة عن الحب غير الجسدي، الذي لا يوجد به فرق بين القرب والبعد، ويقول إنه عندما نفتح أعيننا، سنعرف أن الطبيعة هي سعادتنا وليس جسدنا الذي لم يعد ينتمي للطبيعة منذ زمن بعيد. ولذلك يتمسك الجميع بالأحباء الخطأ. ولا يوجد تقريبا سوى هؤلاء الذين يغلقون أعينهم أثناء الحب أو يفتحونها عن آخرها نهما، وهو الشيء ذاته. لم يكن البشر قط منعدمي الحيلة وفاقدين للعقل أكثر مما هم عليه في هذه الحالة. لم تعد السيطرة على التصورات ممكنة إذن. والمرء يخضع باستمرار لهوس التنويع والتكرار، من خلال تفكك كل شيء يحاول المرء أن يتمسك به، بما في ذلك صورة الشخص المحبوب. وهو ما خِبره بنفسه كثيرا جدا "
أو كما ارتآته مدام جيراردي كيميرا مخيفة
" الحب، مثل معظم نعم الحضارة الأخرى، كيميرا نرغب فيه أكثر كلما ابتعدنا عن الطبيعة. وبقدر ما نبحث عن الطبيعة في جسد آخر فقط، نبتعد عنها؛ لأن الحب، كما اشارت، حرارة تدفع ديونها بعملة من صكها، وبالتالي فهو معاملة نظرية بحتة لا يحتاجها المرء لتحقيق ذاته أكثر مما يحتاج إلى أداة تقليم ريش الأوز التي اشتراها بيل في مودينا. أم أنك تتخيل (وهكذا، وفقًا لبييل، تابعت) أن بترارك كان تعيسًا لمجرد أنه لم يعرف طعم القهوة قط؟"
كما يستكشف تعاسته عند ستندال ورؤيته له متخلقا في النفس ككرستالات الملح في مناجمها وبحثه عن الحبيبة التي لا سبيل إليها والتي على استعداد للإصغاء لميوله الثقافية ومجازاته وملاحظاته التي لا تنتهي!
يمضي كذلك في رحلة طويلة متنقلا بين المدن المختلفة ملاحقا أشباح الكتاب الماضين وحيواتهم سالكا الدروب والطرق التي قطعوها كأنما يحاول النظر بعيونهم مع الكثير الكثير حول التجوال بلا هدف واضح والتجاءه له لإمضاء الاحزان حتى ينهكه الإرهاق والتعب وصحبته على المقاعد الخشبية في الحدائق من الغربان والطيور الأخرى التي يستهويها ما لديه من عنب.
تلاحقه الذكريات بين الحين والاخر فيتذكر مثلا يومي كل القديسين وكل الأرواح، وكم كان لطيفا اتفاق قراءة ذكرياته تلك اثناء إعادة تعرفي بشكل منفصل على هذين اليومين وما حكاه لي أصدقائي (ككاثوليك) من مضيهم فيه لزيارة المتوفين من أهلهم في مدافنهم ثم سؤالهم لاحقا اذا ما كان ثم شئ مماثل لدينا فرويت لهم عاداتنا في الخروج ابان الأعياد مع القرص على الترب لزيارة الموتى والقاء السلام عليهم.
يتذكر زيبالد ذلك وكيف كان يخرج الفلاحون في قراهم بعد ارتداء السواد إليها وكيف كانوا يعنون بتلك المقابر فينزعون عنها الحشائش المتناثرة ويمهدون الطرق المرصوفة بالحصى، كان أمرا رقيقا ذلك الشعور الإنساني العابر للثقافات والأديان واختلاف البقاع، نذر أيام بعينها او ايام الأعياد للالتفات للأرواح الهائمة تذكرها ومواساتها في تجوالها الأبدي.
استيقاظا في فينيسيا ليس كالاستيقاظ في مدينة أخرى
استوقفني في أحد الفصول قوله ان استيقاظا في فينيسيا ليس كالاستيقاظ في مدينة أخرى ومن ثم كلامه المسترسل عن الهدوء الذي يسربل المدينة ويشملها بعباءته حتى يمكنك سماع خفقات اجنحة الحمام بالخارج بالمقارنة مع مدن كفيينا او بروكسل.
المضحك اني كنت اصطحبت الكتاب في زيارتي الأخيرة للقاهرة وكنت أقرأ ذلك الفصل في ليلة ونمت وكان استيقاظي صباحا على صوت الطابور والاذاعة المدرسية و“وانا على الربابة بغني” والتي قرفتني في عيشتي رغم حبي القديم لها ولصوت وردة عموما.
صحوت يومها ولبثت في سريري (لزيبالد في الكتاب ولع بالبقاء في السرير يداه تحت رأسه مفكرا ومتأملا 😅) استعيد الجملة وافكر ان استيقاظا في القاهرة ليس كمثله شئ على الحقيقة.
هناك على البعد إذاعة مدرسية وطفلة صغيرة تتفتف في الميكروفون الصاخب المخروش وهناك بياع عسل امتلك لسبب ما وبصورة ما ميكروفونا أشد صخبا وعلى الناحية الأخرى بياع روبابيكيا وخردوات قديمة بالإضافة لموجات الصفا والانتباه المتلاحقة ولو ظننت اني ابالغ فاقسم لك ان ليس ثم ذرة مبالغة.
على حافة نافذتي كانت تلك الغابة المتلاحمة والمزج العنيف من الأصوات النشاز، كأن هناك سباق ميكروفونات ما على امتلاك الفضاء العام بالصوت، ليس هناك مثلا نوع من التوزيع العادل او التلاحق المنضبط أو الافساح من زميل في الصداع لزميل آخر بما يجعله في النهاية وين وين سيتيوشن لكن فقط الاشتباك بالاصوات والصراع الذي لا تبين له غاية!
كانت تجربة لذيذة لاستعادة شئ من مذاق القاهرة المنسي 😀
ملاحق القطارات
في تطوافه الذي لا ينتهي بين المدن والكتاب والذكريات يستقل القطارات ويلاحق محطاتها المختلفة ويستعيد تواريخها الذاهبة وعمارتها المتهالكة ومجدها الغابر والمطمور فيتوقف عند ذلك كله كما يرسل عينيه وراء رفاقه من الركاب ايضا يصغي اليهم وينتبه لأحاديثهم وافعالهم، كمثل القارئات اللاتي صاحبنه في بعض رحلاته وما اثرن في نفسه من حنين غامض لا يدري سببه!
او التفاته لما يقرأن وبحثه عنه لاحقا (افعل ذلك أحيانا، انتبه دوما لمن يقرا من حولي واحاول معرفة اي كتاب يقرأون وابحث عنه لاحقا!) وفي خضم ذكرياته سيستعيد ذكرى ذلك القاموس العتيق الذي انتهى له من جده وبدا له كما لو كان كل شئ فيه، مرتبا على أحسن حال ممكنة وكأن العالم مصوغ من حروف وكلمات، وبفعل الترجمة نفسه بإمكان المرء أن يتخلص من كل الشرور والمخاوف بأمان فلكل جانب شرير ثم جانب طيب ولكل ومضة الم لذة مرصودة ولكل كذبة مقابلها من الصدق، فكرت طويلا في ذلك المعجم المثالي كيف يحتاجه الغريب ويطمئن إليه ظانا فيه كفايته ثم يفكر المرء لاحقا ان كل إنسان هو غريب بدرجة ما!
كيف كانت الحياة ستكون لو كان ثم كتاب.. قاموس شامل مرتب وواضح المعالم.. يمكنك البحث فيه بيسر وهناك لكل كلمة مقابلها في اللغة الأخرى.. يقود خطى المرء في الحياة ويجنبه كل تلك الشرور ويمنحه الارشادات اللازمة للسلكان في دروبها المتشابكة والمدوخة، كيف يتصرف في علاقاته بإخوته من البشر كيف يتلقى عطفهم ومحبتهم وكيف يتفادى بإتقان نبالهم وسهام اذاهم كيف يمنحهم وده ويحظى بصحبتهم وقربهم وكيف يتجنب إيذاءهم وتنغيص عيشهم و تكديرهم، كيف يحب وكيف يعبر عن حبه وصداقته ورغبته وكذلك ضيقه وضجره كيف يتخذ قراراته وكيف يمتلك النظرة المتوافقة مع الحق والعدل والخير و الجمال دون أن يتعثر مرارا وينكفئ على وجهه وتنهال عليه الركلات والصفعات والرفسات وينتهي في اخر المطاف وغدا حقيرا!
(في النهاية.. ركلة من فرس شجت الرأس وعلمت القلب أن يحترس! لعل في وجود قاموس كهذا كان للقلب أن يطمئن)
بعيدا عن الاستطراد كعادة سلفاتوري او زيبالد نفسه وهي عادة جميلة لاشك لكنها مرهقة في بعض الأحيان، أقول إن أجمل فصول الكتاب عندي بلا منازع ذلك الفصل الاخير الذي يعود فيه من جديد لقريته الصغيرة وتتفجر لديه كل الذكريات القديمة مع كل خطوة، الحكايات الصغيرة والناس العاديين والمشاعر الدافئة والطازجة والالغاز الغامضة التي قابلتها عين الصغير في حينه، فصل دافئ رقيق تتلاحق فيه الحكايات والذكريات بحيث لا تكاد تمل منها أو تنصرف عنها بل تتسمر له وتصغي لها بكل جوارحك، سأعيد قراءته لاشك وحينها لعلي اكتب عنه بمزيد من التفصيل.





الله يخليك يا سمسم والله حقيقي ممتن لكلامك الجميل وسعادتي أكبر ان شئ مما أكتبه قادر على إيناسك