“وبعينيك أوقدت هند النار أصيلا تلوي بها العلياء
فتنورت نارها على البعد ، بخزازى، هيهات منك الصلاء
أوقدت هند نار الطلح بالصندل واللبان، عند منحنى النيل بين كرمكول وقشابي فتنورها الغريب النازح وراء تخوم بحر الروم. اوقدتها أيام عدل الوقت كما يقول الحردلو (محمد أحمد عوض الكريم ابو سن). كانت السواقي تدور والضروع ملأى والحقول مخضرة والديار عامرة والزمان يبتسم بوجه طفل”
صحبة ممتعة وحديث لا يمل من السوداني الجميل الذي يوما بعد يوما تتوطد صحبتي به وبهم وأتمنى لو يتاح لي في الحقيقة التعرف على بعضهم وهم إخواننا أهل السماحة واللطف والجمال كله، لطف الله بهم ونجاهم من شرور العالم الكريه الذي نحيا في ظلاله وأبى إلا تشريدا لهم وتدميرا لبلادهم.
ساعة مع أبي الطيب
هون على بصر ما شق منظره فانما يقظات العين كالحلم
ولا تشك إلى خلق فتشمته شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
سبحان خالق نفسي كيف لذتها فيما النفوس تراه غاية الألم
الدهر يعجب من حملي نوائبه وصبر نفسي على احداثه الحطم
وقت يضيع وعمر ليت مدته في غير أمته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم وأتيناه على الهرم!
حديث ممتد عن أبي الطيب واستحياء لشعره في نفسي وذلك الحوار الدائب الذي شغل به الدنيا والناس حوله وآخره ما كان من النفار حول نسبه والمشاكسة التي نشبت بين طه حسين ومحمود شاكر و الرجلان حبيبان للقلب من أصدقاء المراهقة والشباب، مشاكسة تعرفها من طباع طه حسين التي لا تفارقه والتي بقدر ما تستفز النفس أحيانا بقدر ما يستمتع بها المرء ويبصر في ثناياها تلك النفس المتوثبة التي لا تكاد تهدأ وإنما أبدا تسعى في حاشية من الرهج الذي تثيره من حولها تجاه كل شئ، عاصفة ولكنها عاصفة نحبها رغم قسوتها على أبي الطيب.
أبهجني أن وجدت مصداق شئ من تصوري لدى الطيب ذلك أني وعلى حبي لطه فكنت أرى كتابه ليس بالكتاب المناسب للدخول على عالم أبي الطيب ذلك أنه لا يتعاطف معه ولا يميل إليه إن لم نقل أنه يبغضه ويزدريه ومثل تلك العواطف تحجب المرء عن التدسس في شعر الرجل واستيعاب روحه الهائلة ولا يصلح له مدخلا إلا محبوه كمثل أبي العلاء او ابن جني او مؤخرا محمود شاكر، ذلك أن أبا الطيب جعل على روحه حجابا وجدارا من كبرياء وبأو سرعان ما يصطدم المرء بها فتنفره منه وتصرف عنه وهي إنما كانت دوما قشرة يستر من وراءها هشاشته وارتيابه في زمنه ومخاوفه وإخفاقه الهائل على قدر موهبته الضخمة والتي لا تني تضخم من مرارة الشعور بهذا الإخفاق.
أقول إن هذا برأيي هو مفتاح التعامل مع أبي الطيب ودونه يفقد المرء قدرته على فهمه ولا يرى فيه غير جعجعة وألفاظ مطنطنة وكبرا وغلوا، من هنا يمكن فهم قوله
أنام ملء جفونى عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
لا على وجه الكبر ولكن على وجه الحسرة والأسف والحزن الهائل، هذه الموهبة الهائلة والمعرفة الجموح باللغة وألفاظها والقدرة على توليفها تضيع في ذلك الزمن الذي غلب فيه الأعاجم على العرب وضاعت فيه دولتهم
وإنما الناس بالملوك وما تفلح عرب ملوكها عجم
لا أدب عندهم ولا حسب ولا عهود لهم ولا ذمم
بكل أرض وطئتها أمم ترعى بعبد كأنها غنم
بستخشن الخز حين يلمسه وكان يبرى بظفره القلم
أو قوله التالي
سادات كل اناس من نفوسهم وسادة المسلمين الاعبد القزم
أو قوله
افاضل الناس أغراض لدى الزمن يخلو من الهم اخلاهم من الفطن
وإنما نحن في جيل سواسية شر على الحر من سقم على بدن
حولي بكل مكان منهم خلق تخطي اذا جئت في استفهامها بمن
لا اقتري بلدا الا على غرر ولا أمر بخلق غير مضطغن
ولا اعاشر من املاكهم ملكا الا أحق بضرب الراس من وثن
إني لاعذرهم مما اعنفهم حتى اعنف نفسي فيهم وأني
لا يمكن فهم تلك المرارة الهائلة بدون تصور الطموح الضخم الذي بدأ به حياته مزودا بكل ما استطاع تحصيله من علوم ومعارف ومواهب فإذا به ومع مرور الأيام والسنوات يجد كل ذلك بغير غناء ولا قيمة وان سادات الناس ورءوس القوم هم أقل الناس امتلاكا لما يستحقون به أن يكونوا كذلك بل هم شر الناس طرا فلا يزال في رحلة ابدية متنقلا من أمير لأمير ومن ملك لوزير لا يكاد يستقر لما في نفسه من قلق وطموح لا يرتويان، فإذا أردت مثلا أن تقف على شئ من رهافة أبي الطيب ورقته فانظر مثلا للعتاب التالي والذي وجهه لأبي العشائر الحمداني وكان قد أرسل إليه من يقتله!
ومنتسبٍ عندي إلى “من أحبه” ... وللنبل حولي من يديه حفيف.
فهيج من شوقي “وما من مذلةٍ ... حننت” ولكن الكريم ألوف.
وكل ودادٍ لا يدوم على الأذى ... دوام ودادي للحسين ضعيف.
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
ونفسي له نفسي الفداء لنفسه ... ولكن بعض المالكين عنيف
لا تصدر هذه الابيات الرقيقة الاسيانة عن ذلة أو اتضاع ولكن عن نفس ألوف مكلومة، لاسيما إِذا علمنا أنه قالها بعد ميميته المشهورة امام سيف الدولة (واحر قلباه) والتي فيها سينذر سيف الدولة نفسه بأن عاقبة رحيله عنه ندم لا ينتهي!
لئن تركن ضميرا عن ميامنها ليحدثن لمن ودعتهم ندم!
فهو لم يكن ليخشى شيئا وفي إمكانه دوما الرحيل كما تتلفت الخمر من سدادتها
وضاقت خطة فخلصت منها خلاص الخمر من نسج الفدام
لذلك أقول لست أتصور الكتابة عن أبي الطيب وتمثله وفهمه دون تعاطف ومحبة.
“والحق أن العميد، رغم علمه وريادته ونظراته الثاقبة، لم يُغن كثير غنى في كتابه مع المتنبي. ذلك لأنه صحب الشاعر على نفور وقلة ود، كما اعترف هو نفسه فلا عجب أنه لم يظفر منه بطائل، فالمتنبي شاعر إما أن تحبه وتتحمس له، وإما أن تتركه وشأنه، أحسن النقد ما يكتب عن محبة لأن المحبة تفتح البصيرة وتزيل الحجب التي تقوم بين ما يرمي إليه الشاعر وبين فؤاد المتلقي."
سعدت بالاتفاق سعادة كبيرة زاد منها ذلك الشعور العميق بأني اطأ في كل خطوة ومع كل صفحة بلادا بعيدة من ذكرياتي القديمة، لم يكن أبو الطيب عندي شاعرا بل الشاعر بالتعريف، الشاعر الذي ختم على زمن من زمني بوسمه فصرت اميز به بعضا مني ومن نفسي (أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا.. كما قال قديما) ، مع كل قصيدة ذكرى وخاطرة وحديث في النفس، حديث الفتى الغر أول عهده بالأدب وطلبه والشعر وعروضه ومعانيه وشراحه، فتنة ساحرة وجذوة كلما رنوت لها في ماضي وتذكرت اشتعالها المتألق ونورها الوهاج وحرارتها حننت حنينا طويلا واعتادني الطرب لكن لحديث الذكريات موضع آخر أرجئه إلى حين.
أقول فصل الطيب تفصيلا جميلا في ذلك النزاع حول نسب ابي الطيب وابان بيانا شافيا حول تحيزات الدكتور طه والفرق في رؤيته للرجلين أبي العلاء وأبي الطيب وكيف كان ينظر لأحدهما بعين المحبة والرضا التي تغفر كل شئ وتلتمس لكل عيب وزلة عذرا وللآخر بعين التصيد والازدراء التي ترى حتى في المناقب والافضال مذاما ومثالب!
لكن اللطيف في الكتاب كذلك ذلك المزج الجميل لأشعار اهل السودان وعاميتهم العالية كمثل شعر الحردلو وقد استمتعت بذلك غاية المتعة وشعرت به يؤلف بيني وبين تلك النواحي من الثقافة الشعبية التي نشترك معها في رباط اللغة والدين والعروبة والنشأة على ضفاف النيل أخوة.
“ ود الأريل الضارب مقنه
جني الغزلان بكي وأماته جنه
الناس الكبار أصل آبيحنو
شوف العين علينا محجرنه
تقول لا كان صغار، لا الغي عارفنه
ود الأريل، كما يتضح في البيت الثاني في الأغنية السودانية، هو طفل الظبية، الطلا، يكنى به عن المحبوبة، والقن والمقن فصيحة تعني الخدر الذي يستر الظبية كما يستر الفتاة فلا يوصل إليها.
وجد الحردلو الظباء في نشاط ومرح، تنط وتتسابق ويطرد بعضها بعضاً. فرحة دون سبب، أو بسبب الفضاء الواسع حولها، وإحساسها بالحرية الكاملة، وقوله “فرحان وعاجبه خلاه” من شريف القول، فالظباء أيضاً تعشق الحرية.
إنما الظبي الحبيس في خدره في تلك الأغنية، بكي، فأسرعت أمهاته إليه يسألنه، أو يسألتها عن سبب بكائها. والسبب لا يخفى، وهو نفسه السبب الذي جعل الفتى في الأغنية اللبنانية، يذهب متلصصاً آخر الليل. لذلك تقول الأغنية السودانية، إن «الناس الكبار» - الآباء والأمهات - لا توجد رحمة في قلوبهم، كأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام صغارا، ولم يذوقوا عذاب الحب والحب عندنا هو «الغي» من الغواية، ولعله كذلك، ولكنها غواية قل أن يسلم منها أحد.”
كلام جميل دافئ يحرك الاشجان في الصدور والقلوب.
العرب في فلواتها صحبة وحوشها
وكأن ذلك الجمال لم يكفه فشرع في عدة فصول يتناول شعر ذي الرمة (وهو شاعر حبيب قديم كتب عنه الأستاذ شاكر ثلاث مقالات هي من عيون ما كتب استنطق فيها روحه ولم تزل مذ قرأتها اول مرة من أجمل ما قرأت في حياتي وأعذبه) فيبعث فيه حرارة ويضفي عليه سحرا يرفعه لمصاف أجمل أشعار العرب بعد أن يفض عنه اغلاق لفظه العسر وحجب اللغة الكثيرة.
“ روي عن الكميت الشاعر أنه حين سمع قول ذي الرمة:
أعاذل قد أكثرت من لوم قائل
وعيب على ذي الود لوم العواذل
قال: «هذا والله مُلهَم، وما علم بدوي بدقائق الفطنة وذخائر العقل المعد لذوي الألباب؟ أحسن ثم أحسن». ثم لما سمع البيت:
دعاني وما داعي الهوى من بلادها
إذا ما نأت خرقاء، عني بغافل
قال «لله بلاد هذا الغلام ما أحسن قوله وما أجود وصفه. لقد شفع البيت الأول بمثله في جودة الفهم والفطنة»”
كان تلك جولة في غاية المتعة والرقة والذكاء كذلك فلم يكن الشرح محض فك ألفاظ ولكنه إعادة خلق وتوجيه للعين بحيث تبصر مكامن الحسن ومواطن الرقة في ذلك الشعر القديم شعر الرجل الذي توله بالبوادي والفلوات واخلص لها ولوحشها اخلاص المحب المتبتل، رجل صادق الوحش وانصت لها في فيافيها واصغى لحركاتها ولاحظ شعورها ومخاوفها وراح يترجم عنها لنا ما تكابده وتقاسيه.
انظر مثلا نعته المثير للثور الوحشي وتجواله في الفيافي وأنسه باشجارها وظلالها ثم تعرضه للصياد وكلابه وللمعركة التي نشبت بينهم وكيف انتصر فيها للثور وابقى عليه حريته وعنفوانه، قالت صديقتي ،في ثنايا حديثها الذكي، عن علاقة العرب بالحيوانات في فلواتهم أنها كانت علاقة فيها شئ من الجفاف أو فلنقل علاقة فقيرة مقتصرة على نوقهم وابلهم، لم أتفق.. وأشرت لبعض أشعارهم لكني لم أملك الاستفاضة. وددت لاحقا لو كنت أحلتها على شعر ذي الرمة وكيف وصف الحمر الوحشية او النعام/الظليم وسعيه على بيضه يخشى عليه أو وصفه الحرباء الناسك في لهيب الصحراء اللافحة وغيرها من أشعار العرب التي تشي بحبهم الهائل لبواديهم وتتبعهم لكل تفصيلة فيها بعين المتنبه المحب والمتأمل، لكني أنتهز الفرصة في سياق حديثي الآن فأقول انظري مثلا للأبيات التالية من معلقة عنترة والتي يصف فيها ناقته في سرعتها كمثل سرعة النعام التي تتبع قائدها في عدوهم الهائل تحت جنح الليل المخيف يؤزها القلق لتطمئن على بيضها خشية أن يكون أصابه مكروه
تأوي له قلص (صغار) النعام كما أوت ... حزق (جماعات الإبل) يمانية لأعجم (راعيها الأعجمي) طمطم
يتبعن قُلة رأسه، وكأنه ... حرج على نعش لهن مخيم
(تتبع جماعات النعام رائدها كأنه علم مرفوع لهن)
صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
(صغير الرأس يطمئن على بيضه وهو في سمرته كالعبد)
بعيدا عن غرابة الألفاظ والشرح المخل الذي أدرجته ولكن ألا ترين معي عنترة (وغيره من شعراء الجاهلية)و قد تأمل تلك المشاهد البرية من حوله وتأثر بها للغاية حتى اختزنها في ذاكرته وحين راح ينسج شعره التمس ذلك الأثر الذي وقع في نفسه من تلك المشاهد المؤثرة فراح يستحضرها ليؤثر في نفس سامعه ؟ ألا تحسين بمشقة الرحلة وعسرها حين يُستحضر عدو النعام في الليل المظلم والمطر المتلاحق خائفا ليطمئن على بيضه ؟ ألا تخلق تلك الصورة في نفسك انطباعا بالعطف على صاحبها ؟
لم يكن وحش الفيافي مجرد مورد للتأملات والتقاط المشاهد المؤثرة للشعراء القدامى ولكن كانوا كذلك يكنون تجاههم الكثير من المشاعر المثيرة، لدينا مثلا الشنفرى في لاميته الشهيرة حين يعرض عن أهله ويصارحهم أن صحبة الوحش (من الذئاب والضباع) أقرب إليه منهم لما يجده لديهم من حفظ للأسرار والودائع ومن نصرة تدفع عنه الظلم
ولي دونكم أهلون : سيد عملس، وأرقط زهلول، وعرفاء جيأل
هم الرهط لا مستودع السر ذائع ولا الجاني بما جر يُخذل
يحيل على أصحابه من الصعاليك لاشك لكنه حين التمس لهم المثل لم يجده سوى في تلك الوحوش التي مثلت له الحياة المثالية التي يضرب بها المثل وهو يحس بذلك عميقا فترينه في القصيدة بعد قليل في أبيات رقيقة رغم غرابة الفاظها الكبيرة، يتحدث عن آلامه الجسدية والجوع الذي يقاسيه ثم يشكو ذلك كله كما تعوي الذئاب فتوافيه صحبته من ذؤبان العرب (كما سموهم) فيشاركونه عواءه وشكواه ثم يتعزى بعضهم ببعض وينصرفون عن الشكوى لاجئين للصبر والتحمل ولولا الارتكان إلى الجماعة لهلك الواحد منهم!
وَأَغدو عَلى القوتِ الزَهيدِ كَما غَدَا أَزَلُّ تَهاداهُ التَنائِفُ أَطحَلُ
غَدا طاوِياً يُعارِضُ الريحَ هافِياً يَخوتُ بِأَذنابِ الشِعابِ وَيَعسَلُ
فَلَمّا لَواهُ القوتُ مِن حَيثُ أَمَّهُ دَعا فَأَجابَتهُ نَظائِرُ نُحَّلُ
فَضَجَّ وَضَجَّت بِالبَراح كَأَنَّها وَإِيّاه نوحٌ فَوقَ عَلياءَ ثُكَّلُ
وَأَغضى وَأَغضَت وَاِتَّسى وَاِتَّسَت بِهِ مَراميلُ عَزّاها وَعَزَّتهُ مُرمِلُ
شَكا وَشَكَت ثُمَّ اِرعَوى بَعدُ وَاِرعَوَت وَلَلصَّبرُ إِن لَم يَنفَع الشَكوُ أَجمَلُ
وَفاءَ وَفاءَت بادِراتٌ وَكُلُّهَا عَلى نَكَظٍ مِمّا يُكاتِمُ مُجمِلُ
أحب هذه الأبيات، حين قرأتها أول مرة لم أفهم منها شيئا وظللت زمنا طويلا اقرأها فلا أفهم ثم بمحاولة تتبع الشروح وتبيان الألفاظ راعني ذلك المشهد الحزين والنبيل والذي لم يجد للتعبير عنه الشاعر القديم سوى ذلك المثل من الحيوان من حوله لينطق من خلاله عما في صدره.
وقد كان الأمر متجذرا بقوة في حياة الشنفرى فتراه في قصيدة أخرى له يقول ناهيا أهله أو صحبته عن دفنه وقبره معلنا لهم بوضوح استغناءه عنهم حتى بعد مماته ويهنئ الضبع (وكنيتها عند العرب أم عامر وباب تكنية العرب للحيوان باب لطيف للغاية يستحق توقفا طويلا عنده) على نيل جثته فتغتذي بها
فلا تدفنوني إن دفني محرم عليكم ولكن ابشري أم عامر!
يقول الشراح إن اشارته للضبع تعني بالأساس أن جيفته ستهمل بالعراء فتلتهما عوافي الطير والسباع الشاردة لكني أتوقف طويلا عند الصياغة وتوجيه البشارة للضبع ألا ترينها معي تحية لصحبة قديمة وجد فيها المثال فجعلها أولى بجثته من أهله الذين لم يرعوا حقه ولم يحفظوه في نفسه ؟ أتصورها كذلك لكني لا أجزم على كل حال..
بل يمكن القول أنه كان هناك تقليد شعري مستقر من ملاحقة وحش الفلوات وحيواناتها والتوحد بها فترى الثور الوحشي بطلا للكثير من الشعر الجاهلي في معاركه الأبدية مع كلاب الصيد وأصحابها وهل نحن إلا تلك الثيران الوحشية السارحة في البوادي فإذا بنوائب الدنيا وتصاريف الأقدار تنهال علينا!
وقد لاحظ الجاحظ ذلك بكل ذكاء فكتب
“ ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة، أن تكون الكلاب التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا، وقال كأنّ ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أنّ ذلك حكاية عن قصّة بعينها، ولكنّ الثّيران ربّما جرحت الكلاب وربّما قتلتها، وأما في أكثر ذلك فإنّها تكون هي المصابة، والكلاب هي السالمة والظافرة، وصاحبها الغانم”
عيون لا تكاد تفوت شيئا مما ترى من حيوات الوحوش مادة للشعر وكذلك للعزاء فلسفة تعين على الحياة كمثل ما فعل أبو ذؤيب في قصيدته النبيلة في رثاء أولاده وكيف انتزع العزاء لنفسه من مشاهد الحياة من حوله والبلاءات التي يخوضها الوحش في مشاهد متلاحقة أسيانة يصدر كل منها بالشطرة المروعة
والدهر لا يبقى على حدثانه
فيشرع في وصف حمر الوحش ونشاطها وتنقلها في الأرجاء وموارد المياه والعشب مجتمعة الشمل وافرة السلامة ثم يضطرب المشهد ونعرف أن تلك السلامة ما كان لها أن تدوم فيبدو الصياد وسهامه ليلاحقها وهي تفر منه بكل ما تملك لكن أنى للمرء أن يفر من القدر
فأبدهن حتوفهن فهارب بذمائه أو بارك متجعجع!
وزع الصياد الحتوف على الحمر الوحشية ونال كل منها نصيبه المحتوم فإما هالك في حينها أو فار لهلكة وشيكة ثم من جديد
والدهر لا يبقى على حدثانه
ليحول عينه السينمائية إلى مشهد أشد ترويعا وأكثر درامية وهو الثور الوحشي القوي الضخم السارح في البراري سرعان ما يسمع حس الكلاب فيشتد ذعره ويحاول الفرار مالئا السماء غبارا من عدوه المهتاج لكنها تلاحقه بدأب وتصميم وتبدأ وقائع المعركة الدامية التي لا يجد مفرا من خوضها فيكر عليها بقرونه القوية الصلبة وينحي بها على الكلاب المواثبة فيصرع أحدها ويغرز فيه قرنه كما انغرز سفود الشاوي بالمشوي (صورة مروعة تكادين ترينها بعينيك!) فيهلك الكلب ولكل جنب مصرع! وتفر بقية الكلاب بين جريح وموف على الهلكة.
نتنفس الصعداء لوهلة ونتصور نجاة الثور الذي لاشك قد توحدنا معه وها نحن نشاركه الشعور ونتمنى أن يفر من تلك الكلاب الضارية لكن لا نكاد نستشعر شيئا من راحة حتى يبادرنا الشاعر المكلوم الذي لا شك مر بتلك اللحظات قبلا حين تصور امكان نجاة بنيه لكنه كان يعلم أنه يغالط نفسه وان الدهر لا يبقى على حدثانه أحد!
أقول بدا الصياد وفي كفه سهامه النافذة مهيأة معدة وكأنما أبصرها الثور وأبصر معها حتفه ونحن معه، فرماه بهن فأصابه رغم محاولاته من جديد للعدو والفرار.. لكن أين المفر ؟ سيهوي الثور الضخم العنيد وسيصور مشهد سقوطه المدوي بلغة تحس معها وطأة التداعي كأنك تبصر هدة قصر هائل أو انهيار هيكل ضخم ومعبد عظيم
فكبا كما يكبو فنيق تارز بالخبت الا انه هو ابرع!
ثم من جديد والدهر لا يبقى على حدثانه ليحول العين إلى مشهد آخر لفارسين شجاعين يتلاقيان في ساحة المعركة.
أقول إن تلك المشاهد التي التقطته عين أبي ذؤيب هي ما يعزيه وما يمنحه القدرة على مواجهة ابتلاءات الحياة بتسليم ورضا خاضعا لها خضوع من يعلم في النهاية غايات قدرته وحدود عجزه.
هَل تَعرِفُ المَنزِلَ بِالوَحيدِ…قَفراً مَحاهُ أَبَدُ الأَبيدِ
وَالدَهرُ يُبلي جِدَّةَ الجَديدِ
يا مَيُّ ذاتَ المَبسِمِ المَبرودِ…أَهَلكتِنا بِاللَومِ وَالتَفنيدِ
رَأَت شُجوني وَرَأَت تَخديدي…مِن مُجحِفاتِ زَمَنٍ مِرّيدِ
قَد عَجِبَت أُختُ بَني لَبيدِ…وَهَزئت مِنّي وَمِن مَسعودِ
رَأَت غُلامَي سَفَر بَعيدِ…يَدَّرِعانِ اللَيلَ ذا السُدودِ
مِثلَ اِدِّراعِ اليَلمَقِ الجَديدِ
وللعرب أشعار كثيرة وقصائد ومقاطع جميلة رقيقة في الحنين والتذكر يبعثها في نفوسهم سجع الحمام وغناؤه كلما دجت بهم ليال الغربة فينشأون معه الأحاديث يبثون فيها مواجدهم ورنات قلوبهم القرحى من الفراق، يصبح فيه الكون جميعه ناطقا محاورا مؤانسا أو موحشا فيُرجى ويُخشى و يعاتب ويلام..
وقد جمع الخالديان من قديم ذلك الشعر طائفة صالحة في حماستهما لعل من أجملها أبيات حميد بن ثور الهلالي وفيها على عادة الشعر الجاهلي البديعة إذا أراد أصحابه صفة بعض ما نفوسهم ونقلها نقلا حيا فمن ثم يشرعون بوصف مشهد وصفا مفصلا بحيث يحتال على تقريب الشعور من سامعه فهنا مثلا يصف حمامة قامت على رعاية فرخها الصغير حتى تهض من وكره واستقل ثم عرض له صقر فأودى به فهي تبكيه وتندبه أشد بكاء وندب فهذا البكاء هو ما يهيج شوقه وحنينه كمثل حنين تلك الحمامة إلى فرخها الهالك:
وَما هاجَ هَذا الشَّوقَ إِلا حَمامَةٌ دَعَت ساقَ حرّ تَرحَةً وَتَرَنُّما
إِذا شِئتُ غَنَّتني بأَجزاعِ بيشَةٍ أَو النَّخلِ من تَثليث أَو بينمنما
فأَوفَت عَلى غُصنٍ ضُحَيّاً فَلَم تَدَع لِباكيَةٍ في شَجوِها متلوّما
مُطَوَّقَةٌ خَطباءُ تَصدَحُ كُلَمّا دَنا الصَّيفُ وانجالَ الرَّبيعُ فأَنجَما
عَجِبتُ لَها أَنّى يَكونَ غِناؤُها فَصيحاً وَلَم تَفغَر بِمَنطِقِها فَما
فَلَم أَر مَحزوناً لَهُ مِثلُ صَوتِها وَلا عَربيّا شاقَهُ صَوتُ أَعجَما
كَمِثلي إِذا غَنَّت وَلَكِنَّ صَوتَها لَهُ عَولَةٌ لَو يَفهَمُ العَودُ أَرزَما
(و لشوقي فيما أعرف قصيدة جميلة يجري فيها على هذا النهج يقول فيها
أَبُثُّكَ وَجدي يا حَمامُ وَأودِعُ فَإِنَّكَ دونَ الطَيرِ لِلسِرِّ مَوضِعُ
وَأَنتَ مُعينُ العاشِقينَ عَلى الهَوى تَئن فَنُصغي أَو تَحِنُّ فَنَسمَعُ
أَراكَ يَمانِيّاً وَمِصرُ خَميلَتي كِلانا غَريبٌ نازِحُ الدارِ موجَعُ
وَمِن عَجَبِ الأَشياءِ أَبكي وَأَشتَكي وَأَنتَ تُغَنّي في الغُصونِ وَتَسجَعُ
لَعَلَّكَ تُخفي الوَجدَ أَو تَكتُمُ الجَوى فَقَد تُمسِكُ العَينانِ وَالقَلبُ يَدمَعُ
وقد كساها القصبجي لحنا مطربا مشجيا من بارع ألحانه ولا أعرف بالتحديد متى وضع ذلك اللحن ولكن يمكن ملاحظة المشابه والملامح المشتركة مع ألحانه لقصائد وطقاطيق غنتها أم كلثوم في الثلاثينات كايها الفلك ويا قلبي بكره السفر وياللي جفاك المنام مثلا وغنتها السيدة فتحية أحمد بصوتها الجميل)
وقفة مع البردة ومدح الرسول الكريم
وقد مال من بعد للحديث عن بردة البوصيري وعذوبتها الرقيقة والتي تشبه عطرا لا يزيد على تقادم الأيام إلا نفاذا وجمالا واتصالا بالقلوب التي تصغي لها وتحس بما فيها من شعور ديني عميق. وفي خلال ذلك أشار إشارة لطيفة للغاية لما اختزنته الصياغات الشعرية وأسماء الاماكن والألفاظ من دلالات نفسية وعاطفة عميقة وحرارة لافحة بتواتر الاستخدام عبر العصور بحيث يغدو لتلك الألفاظ ما يشبه وقع السحر في النفوس التي ألفت الشعر العربي في عصوره المختلفة، وهذا بعينه ما يخلق الامتداد والاستمرارية في اللغة وألفاظها ودلالاتها وظلالها بما يحقق الانتماء كذلك ويشعر المرء حينئذ كما لو كان يواصل عملا بدأه السابقون ويستمر من حيث توقفوا لا يرهقه عبء التأسيس، كما يخلق حديثا متصلا يحيل فيه اللاحق على السابق ويحاوره، ويأخذ ويدع.
““غفر الله للدكتور زكي مبارك، بتلك الروح العابثة اقتحم العالم النوراني الذي صنعه البوصيري في بردته، كما يقتحم الضبع مرتع الظباء. فعل ذلك في معرض الموازنة بين (بردة) البوصيري و(بردة) شوقي في كتابه الموازنة بين الشعراء الذي صدر عام ستة وثلاثين وتسعمائة وألف.
يقف الدكتور عند مطلع قصيدة البوصيري
أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من أضم
هذا المطلع الجميل لا يوافق ذوق الدكتور، فيقول: وذكر البوصيري لهذه الأماكن وشغفه بها، وحنينه إليها، ينافي مصريته، وكان له أن يتشوّق إلى أحبابه في بلبيس أو فاقوس كما يتشوق بعض الناس إلى أحبابه في سنتريس أو فاقوس أو أسيوط!!
ولكن يظهر أن المغاني العربية كانت احتلت رؤوس الشعراء، فكان من ذلك أن أكثروا من ذكر نجد وسلع وإن لم يكن لهم بهذه المواطن هوى، ولم ينعموا فيها باصطباح ولا اغتباق. ولذلك نجد التكلف ظاهراً في حديث البوصيري عن جيرانه بذي سلم، ونحسبه اختارها للقافية كما اختار (أضم) لهذا الغرض.”
اللهم أني لا أجد تكلفاً في مطلع البوصيري، إنما أجد التكلف كل التكلف في نقد الدكتور زكي له كأنما أراد للبوصيري أن ينفخ لحن الناي على صفّارة النحاس وأن يحوّل نغم (اللامي) الشجي إلى لحن الجاز.
هل (بلبيس) و(سنتريس) تصلح لهذا المقام؟…
واضح أن الشيخ الجليل أراد أن يهيىء للدخول على حضرة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ، فخلق جواً من الحنين والشجن، وذكر بأماكن لها وقع في الوجدان العربي، وأهاج في الخيال رياحاً ندية بعطر الزمان القديم الجميل، وأوقد في ظلمات الكون بروقاً أوضح إيماضاً من برق أبي العلاء إذ حن إلى الشام. فهل هذا تصلح له (سنتريس) و(فاقوس) أم (كاظمة) و(ذو سلم)؟
هذا والأبيات فيها شيء من روح الشريف الرضي إذ يقول:
هبت لنا من رياح الغور رائحة
بعد الرقاد عرفناها برياك
ما بال هؤلاء الأساتذة العمالقة، تعمى أبصارهم أحياناً فلا يرون الشيء وهو واضح ماثل أمامهم؟ ولا بد أن الدكتور زكي مبارك كان يدرك أن الشعراء الأوائل كانوا يتلذذون بذكر الأماكن في شعرهم، ليس من قبيل المحاكاة، ولكن لأن تلك (الأسماء) تحمل في حد ذاتها شحنات وجدانية هائلة، ولأنهم كانوا يدخلون عن وعي، الأخيلة التي توصل إليها أولئك الشعراء في حنايا قصائدهم، فتصبح كل قصيدة وكأنها امتداد للقصائد التي سبقتها، ويصبح كل صوت وكأنه مكمل لما مضى من أصوات. بتلك الطريقة جعلوا من الشعر العربي العظيم سمفونية هائلة ذات فروع ومسالك عجباً. “
ساعة مع أبي العلاء
يعرج من ثم في الأخير على صديقنا الأثير حبيب ابي الطيب، الأعمى البصير الذي نظر إلى ادبه! ابو العلاء.. وقف بنا عنده قليلا وذكرنا بصحبة السيدة الجليلة عائشة عبد الرحمن رائدتنا إلى ابي العلاء ودليلنا إليه، توقف بنا وذكرنا عند حبه لأمه وفقده لها بعد رحلته الشجية إلى بغداد وعجلته في العودة إليها فسبقه إليها الموت واثر ذلك عليه وما كان من اعتزاله اللاحق للحياة في معتكفه بالمعرة
مضت وقد اكتهلت فخلت اني رضيع ما بلغت مدى الفطام
فيا ركب المنون اما رسول يبلغ روحها ارج السلام!
رحمة الله عليك يا صديق كم قاسيت من مكابدتك جهادا!
ثم انثنى للحديث عن علاقته الملتبسة بالمرأة في لزومياته واشار بذكاء لذلك الارتياب والخوف ومنها وسوء الظن فيها ونبه لأثر افتقاد العلاقة بها والخوف من اثر علته على حكمه وانطباعه، ثم مضى يبسط القول في شاعرية اللزوميات وذلك الراي الذي ابداه الدكتور طه حسين فيها وعارضه فيه مارون عبود وقد سعدت كذلك بنقده لكتاب مارون عبود وقد قرأته قديما فلم يعجبني على حبي للرجل وتعلقي بنقوده وآرائه وأسلوبه.
على كل حال فإنه مضى ايضا يشير لكتاب معجز احمد المنسوب لأبي العلاء ورحلة تحقيقه وحقيقة نسبته و دلالة روحه واسلوبه على صاحبه وختاما عاد من جديد لأبي الطيب في التفاتة مودع وسلام مفارق فحزنت له على امل العودة للقاء قريب من جديد!
بروحي تلك الأرض ما أطيب الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا
واذكر ايام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشية ان تصدعا
وليست عشيات الحمى برواجع ولكن خل عينيك تدمعا
كأنا قد خلقنا للنوى وكأننا حرام على الأيام أن نتجمعا!
وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ما هلت الديم وما جرت على المذنبين أذيال الكرم
اذا كنت تحب/تحبين قراءة الشعر مثلي فلعلك تحب/تحبين ان تلقي هنا نظرة..ما رايك ؟
و هنا






