الأنس بالحيوان دليلك إلى النفوس النبيلة
بين أبو عثمان الجاحظ وأبو العلاء المعري (ملاحظات أولية)
من لطيف ما يتوقف عنده الناظر في كتب الرجلين عنايتهما بالحيوان و حضوره القوي فيها بحيث يسع المرء بالنظر والتتبع وضم الأشباه أن يستروح أشياء من طبائع الرجلين ومسالكهم في النظر وملابسة الحياة ومعالجة أسبابها والآثار التي انطبعت بنفسيهما من ازمنتهم والتجارب التي خاضوها.
هذا على تفاوت بينهما في الأسلوب والروح والبواعث النفسية والتاريخية من وراء الأسلوبين، وكذلك في طبيعة انفعال كليهما بما يتلقاه من الحياة واين تختلف الرؤية واين تتفق وكيف، بين رجلين أحدهما كأنما جحظت عينه من مدها في الحياة من حوله والآخر كف بصره فلم يمنعه ذلك أن يديره في داخله وأن يستجد لنفسه أبصارا من الفاظ الشعراء واللغويين والأدباء حتى كأنما كان جاحظ الحاسة اللغوية يستوعب بها كل شئ ويلملم بها ما عساه يرمم كف البصر وآية ذلك ما في كل آثاره من حشد لغوي هائل سرعان ما يجلوه ويستعرضه مع أول بادرة وايسر التفاتة.
(تجد مثلا عظيما على ذلك في رسالة الغفران في التعقيب على بيتي النمر بن تولب
ألم بصحبتي وهم هجوع خيال طارق من أم حصن
لها ما تشتهي عسلا مصفى إذا شاءت وحوارى بسمن
وكيف تلعب بالقوافي كي يدير الطعام على كافة حروف المعجم! )
يحشد أبو عثمان معارفه وملاحظاته ونظراته التي جمعها إما دراسة أو تلقيا أو معاينة أو اخبارا في كتابه الضخم الحيوان وهو هنا يراه موضوعا للدراسة و التتبع، أحيانا يحدوه إلى ذلك ولع ورغبة عارمة في تقصي صفات أولئك الاجناس وغالبا ما يكون ذلك التتبع لأجل مخاصمات كلامية أو محاججات عقدية وعقلية ومذهبية ينظم ذلك جميعه يقين بما نثر الله من آيات في خلقه وما نصب من أدلة عليه، من أجلها ما توزع في أجناس الحيوان فهي من جنس الدليل الناطق بأحواله وإن استعجم لسانه.
كما قال
(ووجدنا كون العالم بما فيه حكمة ! ووجدنا الحكمة على ضربين : شئ جعل حكمة وهو لا يعقل الحكمة ولا عاقبة الحكمة، وشئ جعل حكمة وهو يعقل الحكمة وعاقبة الحكمة، فاستوى بذلك الشئ العاقل وغير العاقل في جهة الدلالة على أنه حكمة، واختلفا من جهة أن أحدهما دليل لا يستدل والآخر دليل يستدل، فكل مستدل دليل وليس كل دليل مستدلا، فشارك كل حيوان سوى الإنسان جميع الجماد في الدلالة وفي عدم الاستدلال واجتمع للإنسان أن كان دليلا مستدلا ثم جعل للمستدل سبب يدل به على وجوه استدلاله ووجوه ما نتج له الاستدلال وسموا ذلك بيانا !)
من ثم فإن عاطفة الجاحظ محدودة بحدود مساعيه العلمية والعقدية فلا مجال لتسربها إلا قليلا، بالطبع كتابة الجاحظ أبعد ما تكون عن الجفاف وهو أحرص على قارئه من أن يدع ذلك يتسلل لحديثه فتراه ينوع الحديث ويخلط جده بهزله ويخرج من التحقيق إلى المزاح ومن رواية الاشعار إلى رواية النوادر و الطرائف.
لكنه في ذلك بعيد بقدر ما عن التأثر بطبيعة حياة أجناس الحيوان القاسية، لا يعني ذلك انتفاءه من كتابه ففيه فقرات بديعة عن العصافير مثلا وكيف ينجد بعضها بعضا وعن الحمام كيف يزق فراخه ويعنى بها في مهدها، في تلك المشاهد العذبة تتفلت روح أبو عثمان الفنية فيبدو مصورا بارعا يوشي صوره ببعض العاطفة لكنه يضعها بقدر.
وليس كذلك أبو العلاء! بداية من أسلوبه الذي يثقله بما يتفنن فيه من ألوان البديع والسجع ومرورا بتشعث حديثه عن الحيوان وتبعثره في كتبه المختلفة ديوانيه السقط و اللزوم ورسائله الغفران والصاهل والشاحج (وهي رسالة أجراها على السنة الحيوان لا على نسق كليلة ودمنة مما يراد به التعليم والتأديب وبث الحكم ولكن على نسق وجداني ينفث به شيئا مما في نفسه ومما في نفوس الحيوان أيضا!) والفصول والغايات مما بلغنا وانتهاء بطبيعة حديثه عن الأجناس التي يذكرها.
وعادة ما يظلم أبو العلاء إذ يُصرف النظر إلى امتناعه من أكل اللحوم والعسل و الألبان ويذم مسلكه في ذلك ويتجنى عليه القوم بل أن داعي الدعاة الفاطمي ما اعفاه من رسائل طوال يبغي فيه تعريفه بالحق ورده إليه من ضلالته!
ومأتى ذاك الظلم هو ترك النظر في حديث أبو العلاء مجتمعا فإنه على تفاوت اجزاءه يجمعه تمثل بالحيوان والطير دائم وتفكير فيه لا ينتهي وهنا لا تناول علمي كبعض تناول أبو عثمان بل تناول وجداني تام! يرى في حيواتها عزاء ويتأمل مصائرها ويرثى لها ويحاول أن يقاسمها شعورها وينظر في غايتها بعد الموت والآخرة أيضا!
ربما يرجع ذلك في جانب منه إلى كفوف بصره ووفرة محفوظه عن العرب وما ذكر فيه من أصناف الحيوان وأنواع العلائق والصلات و الحكايات والمثل بين البشر والحيوان ومع الخيال الواسع والوحدة وفقدان الصحبة والأنيس فيمن حوله وطول النظر والتأمل فيما يعرو هذه الكائنات وكيف تحس وبم تشعر ومجاري الأقدار وذلك كله مع انزوائه عن أن يزج بنفسه في صخب الدنيا فينسى صخب أتون نفسه وازيزها..
ثم طال العهد بذلك مع رقة نفسه ورهافة حسه مما جعله يدرك ما ازعم أن قليلا أدركه على مد التاريخ العربي وتراثه من شئون الحيوان والرفق به، لم يكن شعوره اذن مجرد رفق بالحيوان أو رأفة به ولكن محاولة لاستبطان أخلادهم وخبايا نفوسهم واستكناه ما يدور فيها.
من أول ذلك فيما أظن قوله في رثاء والده المتوفى ٣٩٥ للهجرة على ما أورد ابن العديم ورجحت عائشة عبد الرحمن بدلالة قصيدته وكان ذلك قبل ولوجه معتزله عقب رجوعه من بغداد فيقول
فما رَغبتْ في الموْتِ كُدرٌ مَسيرُها
إلى الوِرْدِ خِمسٌ ثم يَشرَبنَ من أَجنِ
يُصادِفنَ صَقراً كلَّ يوْم وَلَيْلَةٍ
وَيَلْقَيْن شَرّاً مِن مَخالبِهِ الحُجنِ
ولا قَلِقاتُ اللّيلِ باتَت كأنّها
من الأينِ والإدلاجِ بعضُ القنا اللُّدنِ
بل وفي رحلته لبغداد في قصيدتيه اللاميتين النبيلتين يكثر حضور حنين الابل وغناء الحمام واعواله بل مطلع قصيدته الذائعة غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادي!
ثم يتعمق الأمر بعد ولوجه عزلته فتراه يضع رسالة الصاهل والشاحج على لسان الحيوان وفيها الكثير مما يصلح لتبيان انفعال أبو العلاء بحياة الحيوان، ففي هذه المحاولة الفذة يستنطق الحيوانات لا ليضع على ألسنتها الحكم والمواعظ مثل من سبقه ولحقه ولا هو أيضا يقف منها موقف الدرس والملاحظة الموضوعية، ولكنه يحاول أن ينطق عن لسانها، يشكو شكواها ويتألم لالمها ويحس مواجدها ومواجعها وينطقها بكل ذلك كما يطيل الوقوف عند ما تقاسيه في الدنيا ويتخيل عاقبة ذلك عليها في الآخرة..
ولعمري إنه لموقف نادر للغاية..
بص معي كيف يقول مثلا على لسان الصاهل وحاول معي أن تتجاوز لغته الوعرة الصخرية الممعنة في وحشيتها وغرابتها ولا تدعها تثبطك عن إدراك غايته أو عن تأملها فإنك متى تجاوزت تلك العقبات اللغوية الكئود والتي اعترف معك بمشقتها فإنك ستجد وراءها إنسانا فذا للغاية في رهافة حسه ورقته.
(وأما أُدم الظباء الراتعة وعُفرها، فما أنجاها من بني آدم نَفْرها. كم جُرة تنصب لأدماء حرة، وحبالة جعلت الظبي وشيقا في بالة ؟ واتخذوا اهبها للخير مواطن : ففيها تسطر كتب الله عزت كلمته،فهل تصيب من أجل ذلك نوارها رحمتُه ؟
وفيها تكتب صدُقات النساء واوصار الأمم في العاجل والنَساء.
ما رق الصائد لطرف ما هو من الكحل بخلي، وجيد حسن وإن عطل من الحلي. والكلاب لصيدها معدة، واذا تُوسد فإنها مرمدة، وقد يجمعون والله عليم لأذاتها المعلمة من الكلاب والطير فلا إله إلا الله ما لقيت النافرة من الضير!
إن بعد بها عن الناب الشد، فإنها بالصقر تحد. والعقاب الشغواء اتخذها بعض الناس لتروع ظبي الكناس.
وكل ذلك بقدر من الله. وليس ابن آدم فيما فعله بالذميم،انما أُجري من الشيم إلى ما هو مباح حل واطلقه للعبد الإل.)
فيعاود الحديث عن صروف الحياة المرصدة لأجناس الحيوان تروعهم وتتخطفهم بالمنايا كأنما يعزي نفسه أو يقاسمها شكواها فينطق عنها.
ثم في رسالة الغفران تعاوده تلك القضية من جديد فتكشف عن شئ مما يشغل قلبه و خاطره لكنه هنا لا يكتفي بتقرير الأمر كما في الشعر أو بالتسليم له كما ورد على لسان الصاهل بل يفسح للحيوانات مكانا في جنته المتخيلة جزاء وفاقا بما صبروا في الدنيا وبما كانوا زادا لأهلها فتراه يعقد موضعا في الجنة للحيات الحافظات للقرآن والدين بل ينجي سائر اجناس الحيوان ممن دخل جنته من عدوان أهل الجنة عليهم ويستنقذهم مما لاقوا في الدنيا كما استشعره وتأمله طويلا وتراه كذلك يذكر مشاهير ذلك الحيوان في عهود الإسلام
فيقول
(فإذا نظرا إلى صوار ترتع في رياض الفردوس، صوب الشيخ الرمح لأخنس ذيال، فإذا لم يبق بين السنان وبينه إلا قيد ظفر، قال: «أمسك رحمك الله، فإني لست من وحش الجنة التي أنشأها الله سبحانه ولم تكن في الدار الزائلة، ولكني كنت أروض في بعض القفار فمر بي ركب مؤمنون قد كرى زادهم، فصرعوني واستعانوا بي على السفر، فعوضني الله بأن أسكني في الخلود.» فيكف عنه الشيخ، ويعمد لعلج وحشي ما التلف عنده بمخشي، فإذا صار الخرص منه بقدر أنملة قال: «أمسك يا عبد الله، فإن الله أنعم علي ورفع عني البؤس، وذلك أني صادني صائد بمخلب وكان إهابي له كالسلب، فباعه في بعض الأمصار، فاتخذ منه غرب شفى بمائه الكرب وتطهر بنزيعه الصالحون، فشملتني بركة من أولئك فدخلت الجنة أُرزق فيها بغير حساب.»
***
فإذا هو بأسدٍ يفترس من صيران الجنّة وحسيلها فلا تكفيه هنيدةٌ ولا هندٌ أي مائة ولا مائتان فيقول في نفسه: لقد كان الأسد يفترس الشاة العجفاء، فيقيم عليها الأيَّام لا يطعم سواها شيئاً.
فيلهم الله الأسد أن يتكلّم، وقد عرف ما في نفسه، فيقول: يا عبد الله، أليس أحدكم في الجنَّة تقدَّم له الصحفة وفيها البهطُّ والطريم مع النَّهيدة، فيأكل منها مثل عمر السّموات والأرض، يلتذّ بما أصاب فلا هو مكتفٍ، ولا هي الفانية؟ وكذلك أنا افترس ما شاء الله، فلا تأذى الفريسة بظفرٍ ولا نابٍ، ولكن تجد من اللَّذة كم أجد بلطف ربِّها العزيز. أتدري من أنا أيُّها البزيع؟ أنا أسد القاصرة التي كانت في طريق مصر، فلمَّا سافر عتبة بن أبي لهبٍ يريد تلك الجهة، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " اللهمَّ سلَّط عليه كلباً من كلابك "، ألهمت أن أتجوَّع له أيَّاماً، وجئت وهو نائمٌ بين الرُّفقة فتخللَّت الجماعة إليه، وأدخلت الجنَّة بما فعلت.
ويمرُّ بذئبٍ يقتنص ظباءً فيفني السُّربة بعد السُّربة، وكلَّما فرغ من ظبيٍ أو ظبية، عادت بالقدرة إلى الحال المعهودة، فيعلم أنَّ خطبه كخطب الأسد، فيقول: ما خبرك با عبد الله؟ فيقول: أنا الذئب الذي كلَّم الأسلمي على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، كنت أقيم عشر ليالٍ أو أكثر، لا أقدر على العكرشة ولا القواع، وكنت إذا همّمت بعجيّ المعيز، آسد الراعي عليَّ الكلاب، فرجعت إلى الصاحبة مخرَّق الإهاب. فتقول: لقد خطئت في أفكارك، ما خير لك في ابتكارك، وربمّا رميت بالسِّروة فنشبت في الأقراب، فأبيت ليلتي لما بي، حتى تنتزعها السِّلقة وأنا بآخر النَّسيس، فلحقتني بركة محمّد صلى الله عليه وسلم.)
وفي الفصول والغايات يكثر حضور الحيوان في مواعظ وأمثال عديدة وقصص قصيرة شيقة تحتاج جمعا وتوقفا طويلا للضم إلى ما سبق وتوسيع النظر فيه..فمن ذلك قصته التالية عن الحية والثعلب وفيها بعض من مزاجه وروحه فتراه يعقد صلحا بين الثعلب والحية وينجيه من كلاب الصيد الشرسة ويتخذ له زوجة فيعيشان حياة طيبة لكن وعلى حين غفلة تبادره عقاب فتنتزعه بالموت من ذلك كله (وفي قصته هذه ملامح من قصيدة أبو ذؤيب العتيقة)
فيقول
(رجع: فبات بالعراء عرِصاً، في طلب مأوى محترِصاً، وعاد بالريحان خرصا(مقرورا جائعا والتورية بينة) ، فلما رأى بياض الفجر رفع له رب نعمةٍ، باكره بعظيم النقمة، معه أكلب لأمثاله تلتمس وتطلب، ذوات ربقٍ من القد ومن الأبق، فلما رآهن إجتهد في الهرب وأتبعنه مجتهداتٍ. غاية.
رجع: فراغ وأبعد، وغور وأنجد، فأراد الله سلامته فأراه غاراً ذا دحالٍ فولج بعضهن، وجاء صاحب الضراء فلم يكن للضاري مولج في الدحل المدخول، فبهش ربه بيده فصادف أم العثمان، فسقته قرى حماتٍ. غاية.
رجع: فلما انصرف موسِد المقلدات، قال ثعالة: ما تأمرين يا فجار، والله المتكفل بجزاء المجير؟ قالت: أعلمت أم علمت؟ أظنك سالماً لا سلمت؛ أخيرك إحدى خلتين: إن شئت أن تكون ضيفاً تنصرف ولا عهد بيني وبينك، وإن شئت أن أصانعك على أن تحمل إلى كل شهرٍ عصفوراً، وتعيش سالماً موفوراً، ولن يكون سعيك عندي مكفوراً، أغيثك عند شدتك والله المغيث. فاختار العهد فحالفها على ذلك، والله رب المتعاهدات. غاية.
فلما رأى محل الدَين كأنه سُفيط الأظفور، اهتبل غرة نُغَرٍ فحمله إلى الغار. فقالت ربته " أنجز حر ما وعد " و " نعم الخلة الوفاء ".
فلما أدبر قالت: " لم أر كالليلة قفا وافٍ " كرمتَ جارنا بالسبرات غاية.
رجع: وفعل ذلك أهلةً. فلما كان في بعض التطواف وجد فلذةً من الزمرد، قال: ما يصنع بهذه كسوب جوال! لأتحفن بها ذات الكشيش؛ فانطلق بها وبإتاوته مع الهلال. فلما نظرت إليها في يده ندرت منها العينان فقالت: الأجل موقوت، أذاب عينى زبرجد لا ياقوت، ما بعثك على ذلك أبا الأدراص؟ قال: ما علمت أن الجوهر لك ضار، " وأتتك بحائن رجلاه "، والدليل على ذلك أنى منك غير فارٍ، دونك فأمتثلى ما شئت من الأمثال. قالت: إنك لصادق، والصدق نجاة، لتكن لي عندك وظيفتان ما وكنت المفرخات. غاية.
وإنطلق فأتخذ عرساً تسعده، ينجدها على العبادة وتنجده، تمجد ربها ويمجده. فلما كثر منها ولده، خرج في رأد الضحاء طالباً للرزق، فأنقضت عليه لقوة لقيته بأحد المنكرات. غاية.
أو سلط عليه آل زارعٍ ومعها الكلاب، فشفى بلحمه القرم وأحتكم في إهابه القرظ والغاف، ثم قرن بغيره فأتقي به المكثر شفيف الشتوات. غاية)






