الانزلاق في المدينة.. من جديد
عن العمارة والطراز المملوكي والخيالات المراوغة وما تعنيه المآذن العالية والقباب المثيرة والبوابات المخيفة
(اللوحة لباسكال كوسته، جامع الأشرف قايتباي بصحراء المماليك وهي من أجمل اللوحات وأحبها لقلبي)
“الله يبارك سقف من حى الازهر
فى ليله واحنا صغيرين يا زمان
يا حيف ولا أدرى مكانه الآن
يا اهل النظر غبنتنى قولة كان
صوته كما البحر هادر من ندى الشجعان
ويرق فى بعضٍ من الأحيان
ويئن بالهجران
قصاص مؤلف عشيره
من الطيور البلابل والبشر والجان
والسامعين حواليه إليه بأمان
راجعين ومتقابلين على الشطآن
متفهمين : الملحمه والطعان
المرحمه و الحنان
روح الوطن وبدايع العمران”
طوال الحديث مع صديقي عن العمارة المملوكية وبعض تفاصيلها المبهرة ووقائعها الغريبة كان يلازمني ذلك الشعور بالارتباك تجاه المماليك وآثارهم ومنها العمارة، شعور مذبذب مضطرب يميل بي أحيانا للوقوع في غرام ما تركوا من آثار ومنشآت وأبنية وكذلك للهيام ببعض سلاطينهم وما أبدوه من شجاعة او عطف أو رفق بالناس ويميل في أحيان أخرى للنقيض من ذلك لأقصى الجانب الآخر من الطيف فتمتلئ نفسي احتقارا وغيظا وحنقا، خطر لي أن ربما شئ من ذلك كان مما يضطرب بنفس المقريزي وتتبدى لأجل ذلك في خططه تلك المراوحة القلقة.
ضربت لصاحبي المثل بمحموعة المنصور قلاوون وقد جرى ذكرها، فقلت له انظر كيف كتب المقريزي بإعجاب يبلغ درجة الوله عن اوقاف المارستان المنصوري الكبير وترتيبه وما يتيحه لعامة الناس من خدمات
"ورتب مصارف المارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام، ثم استدعى قدحا من شراب المارستان وشربه وقال: قد وقفت هذا على مثلي فمن دوني، وجعلته وقفا على الملك والمملوك والجنديّ والأمير والكبير والصغير والحرّ والعبد الذكور والإناث، ورتب فيه العقاقير والأطباء وسائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض، وجعل السلطان فيه فرّاشين من الرجال والنساء لخدمة المرضى، وقرّر لهم المعاليم، ونصب الأسرّة للمرضى وفرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض، وأفرد لكل طائفة من المرضى موضعا، فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحميات ونحوها، وأفرد قاعة للرمدى، وقاعة للجرحى، وقاعة لمن به إسهال، وقاعة للنساء، ومكانا للمبرودين ينقسم بقسمين قسم للرجال وقسم للنساء، وجعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن، وأفرد مكانا لطبخ الطغام والأدوية والأشربة، ومكانا لتركيب المعاجين والأكحال والشيافات ونحوها، ومواضع يخزن فيها الحواصل، وجعل مكانا يفرق فيه الأشربة والأدوية، ومكانا يجلس فيه رئيس اطباء لإلقاء درس طب، ولم يحص عدّة المرضى بل جعله سبيلا لكل من يرد عليه من غنيّ وفقير، ولا حدّد مدّة لإقامة المريض به، بل يرتب منه لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه".
تكاد تلمس في تفصيل المقريزي إجلالا وتقديرا بحيث يمكنك القول أن هذا المنصور لاشك أعظم ملوك الدنيا وأرأفهم بالناس وأحرصهم عليهم لاسيما اذا كنت قد عرفت السر في بناء ذلك المارستان، وهي على رواية المقريزي
" وكان سبب بنائه أنّ الملك المنصور لما توجه وهو أمير إلى غزاة الروم في أيام الظاهر بيبرس سنة خمس وسبعين وستمائة، أصابه بدمشق قولنج عظيم، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدين الشهيد فبرأ، وركب حتى شاهد المارستان فأعجب به، ونذران آتاه اللّه الملك أن يبني مارستانا، فلما تسلطن أخذ في عمل ذلك"
(هناك رواية أخرى دموية ذكرها ابن اياس في سر بناء المارستان لكني سأقتصر على ما ذكر المقريزي في خططه)
(الصورة من كتاب قاهرة المماليك لدوريس أبو سيف)
امتحان السلطان بالمرض جعله ينذر لله ان يبني مارستانا لا ليعالج من هم مثله من السلاطين او الامراء والمقتدرين ولكن ليتولى علاج الضعفاء والفقراء وذوي الحاجات بل بالادق أن يكون موقوفا لمداواة كل من له حاجة بغض النظر عن مكانته وموضعه من الغنى والثراء.
اللافت للنظر من جديد ان ذلك لم يكن على أطراف المدينة مثلا أو على مقربة من جامع الظاهر بيبرس صديقه وسلطانه السابق عليه والبعيد ولو قليلا عن قلب القاهرة، اختار السلطان موضعا لمارستانه قلب القاهرة وشارعها الأعظم، محل قاعة فاطمية كانت تتملكها في الزمن الغابر ست الملك أخت الحاكم بأمر الله، لا يمكنني أبدا التغاضي عن تلك الرمزية الكامنة في تحويل قصور الفاطميين إلى مارستان لمداواة المرضى من كافة الناس لا نخبتهم فقط.
(من بين ما يفتنني في تاريخ سلاطين المماليك تلك النذور والعهود التي قطعوها على أنفسهم في أوقات المحن ثم وفوا بها لما نجوا منها، من وضع تلك القصص ؟ هل أشاعها السلاطين أنفسهم فتواترت عنهم وعن حاشيتهم ؟ هل لفقها بعضهم ؟
لا أدري لكن ثمة شئ ساحر فيها، انظر مثلا للعهد الذي قطعه على نفسه حسام الدين لاجين حين فر من مماليك الأشرف بعد تورطه في قتله فأوى إلى الجامع الطولوني وتوطدت بينهم الصحبة وشعر تجاهه بالامتنان لأنه آواه وحماه فنذر إن تسلطن ليعيدن إحياءه ويستنقذه من براثن الخراب والعفاء!
أو كنذر المؤيد شيخ حين أذاه البق والبراغيث في خزانة شمائل ذلك السجن الكريه فنذر في ضيقه أن يحوله جامعا فجاء ذلك الجامع الضخم الرحيب والذي لا يمكنك تصور رحابته وسرها بدون تخيل ان صاحبها كان مسجونا مضيقا عليه بالتحديد في ذلك المحل وغيرها من الامثلة تحتاج توقفا وتأملا طويلا في تلك الشخصيات المربكة)
يركز السلطان قبته الضريحية العظيمة والهائلة الفخامة في قلب مجموعته، في قلب القاهرة وشارعها الأعظم لكنه يحاوطه بمستشفاه ومدرسته، وكأنه يتترس لعظمته بهذه الجموع الهائلة من المرضى وطلبة العلم و الصوفية، لطالما حيرني الأمر وحيرني معه سر ذلك الولع المملوكي بملء فراغات القاهرة ولاسيما الافتتان بالبناء على مد الشارع الأعظم وإعادة خلق معناه، أعود من جديد للمقريزي بعد ذلك الاسترسال مع السلطان العظيم فأجده بعد صفحات معدودة يقول
"وقد تورّع طائفة من أهل الديانة عن الصلاة في المدرسة المنصورية والقبة، وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله... ندب السلطان الأمير سنجر الشجاعيّ للعمارة، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، وأخذ ثلاثمائة أسير وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدّم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا، وشدّد عليهم في ذلك، وكان مهابا، فلازموا العمل عنده، ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوّان والعمد الرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك، وصار يركب إليها كلّ يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم، وأوقف مماليكه بين القصرين، فكان إذا مرّ أحد ولو جلّ ألزموه أن يرفع حجرا ويلقيه في موضع العمارة، فينزل الجنديّ والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك."
ثم يقول في نبرة حانقة ولكنه حنق مستسلم يقر بحقائق الامور كما هي بغير تزويق ولا تزيين
" قال مؤلفه: إن كان التحرّج من الصلاة لأجل أخذ الدار القطبية من أهلها بغير رضاهم وإخراجهم منها بعسف واستعمال أنقاض القلعة بالروضة، فلعمري ما تملك بني أيوب الدار القطبية وبناؤهم قلعة الروضة وإخراجهم أهل القصور من قصورهم التي كانت بالقاهرة وإخراج سكان الروضة من مساكنهم، إلاّ كأخذ قلاون الدار المذكورة وبنائها بما هدمه من القلعة المذكورة وإخراج مؤنسة وعيالها من الدار القطبية، وأنت إن أمعنت النظر وعرفت ما جرى تبين لك أن ما القوم إلاّ سارق من سارق، وغاصب من غاصب، وإن كان التحرّج من الصلاة لأجل عسف العمال وتسخير الرجال، فشيء آخر بالله عرّفني، فإني غير عارف من منهم لم يسلك في أعماله هذا السبيل، غير أن بعضهم أظلم من بعض"
يتعاظم لدي من جديد هذا الارتباك والاضطراب، اقول لصاحبي لأيهما يميل المرء وهل يمكن أن يحمل الإنسان في قلبه بغض المكان وحبه في آن ؟
(اللوحة لباسكال كوسته)
قاهرة المماليك لغز هائل!
ما إن تخطو فيها وتشرع بالسير حتى تتخطفك الاسئلة كما تتخطفك المفآجات جميلها ومروعها.
تخاتلك الخيالات المنبعثة من كل ركن والاحتفالات الاسطورية والمواقع الدامية و المباهج المثيرة، أعود من جديد لمجموعة قلاوون وقبته تحديدا وأقول لصاحبي هل يمكنك ان تتخيل أن فرسان المماليك كانوا يُرَسمون فرسانا في احتفالات رائعة ممتدة من القلعة حتى قبة الصالح نجم الدين أيوب يخطر فيها الفارس وعلى جانبيه الشموع الموقدة ثم انتقلت هذه الاحتفالات إلى القبة المنصورية في دولة المماليك بني قلاوون؟
حيث كان الفارس وعليه كامل أبهته وزينته يهبط إلى قبر المنصور فيحلف عنده فيعلن فارسا ثم يخطر متهاديا الى القلعة في زفة من اهل المغاني والاسمطة ممدودة للناس يأكلون ويلهون في عرس رائق ؟
ومن جديد هذا بعينه في الشوارع التي كانت من قبل حكرا على الخلفاء والنخبة الفاطمية، أليس مثيرا تخيل تتابع تلك اللحظات التاريخية المتلاحقة ؟
هذا الشارع الذي شهد المواكب الفاطمية الملوكية يشهد بعد ذلك المواكب الفروسية المملوكية أحس كأن المكان يئط تحت وطأة تلك الحمولة التاريخية الثقيلة. نقفز عن ذلك ونتساءل معا عن سر ذلك الطراز المملوكي والذي يبدو لنا مميزا ؟
عن العمائر التي تحل محل عمائر أخرى وتنشئ تاريخا جديد محل تاريخ قديم؟
عن الجرأة التي لا تبالي المقارنة التي ستنعقد بين المنشآت المختلفة المتجاورة؟
نشعر كما لو كان ثم اتفاق ضمني على التأثير بالمجموع كما يقول أوليج جرابار تسلمك مأذنة لاختها على الطريق الطويل الممتد من جامع الحاكم الى القلعة. كما لو كان كل سلطان يحرص على ركز ضريحه في قلب القاهرة او على الاقل شيئا من آثاره، تلك الطائفة الغريية عن البلد والتي تتكلم بلسان مختلف عنها ونشأت بمعزل عنها وجدت في العمارة في قلب القاهرة طريقا للانتماء والانغماس في ذلك المجتمع الذي وقع على عاتقهم حكمه وحمايته ونهبه كذاك!
نسترسل في حديثنا فأخبر صاحبي بذلك البحث الرائع الذي قرأته مؤخرا لستيفن همفريز (The Expressive Intent of the Mamluk Architecture of Cairo: A Preliminary Essay ) والذي يحاول فيه البحث عن المعاني الكامنة وراء العمارة المملوكية ودلالاتها على نوايا أصحابها ومقاصدهم ورؤيتهم للعالم، اروي له بمتعة كبيرة كيف تسلسل ذلك البحث وكيف اجاب عن أسئلة كثيرة لدي وكيف قدم اشارات دقيقة وذكية لكثير من الالغاز التي لطالما شغلتنا عن القاهرة المملوكية، أتمنى لو أترجمه لكني اكتفي في الفقرات التالية بمحاولة تلخيصه واستخلاص بعض الاشارات منه بتصرف غير قليل
• عند البحث في الدوافع او النوايا الكامنة عند منشئ الأثر فإنه من غير المجدي كثيرا التوقف عند الحلول الهندسية التي وظفها أو ابتكرها المهندسون لحل المشكلات الإنشائية التي اعترضتهم، هذا مبحث شيق بحاله لكنه لا يدلنا على الغايات التي قصدها فالقت في طريق مهندسيه بهذه المشكلات الانشائية أو ما الذي أراده بالأساس من البناء بهذه الصورة ؟ هذا هو المستوى الأول من التحليل.
• ليس هناك كذلك من مبنى وظيفي بالكامل بحيث يكون خالصا للوظيفة المنوط به اداؤها، هذا هو المستوى الثاني من التحليل، النظر في التوافق بين الوظيفة وبين العناصر المعمارية المتبناة للوفاء بهذه الوظيفة.
• هناك ما يمكن تسميته بالقدرة التواصلية للعمارة، قدرتها على البوح ببنيتها، وظيفتها بما هي عمارة لكن من وراء ذلك وعلى مستوى أدق واعمق قدرتها على توصيل المعاني غير البنيوية وغير الوظيفية والتي دارت بعقل صاحب البناء ومنشئه إلى المتلقي والمشاهد وطبعها في نفسه (هذا هو المستوى الثالث من التحليل)
• هذه الفكرة تثير سؤالين : ما هي طبيعة هذه المعاني او الرسائل التي يراد توصيلها وكذلك اي الاشكال المعمارية قد تتخذ لأجل ذلك ولاجل ابلاغ تلك الرسائل ؟
• هنا يمكن الحديث عن الجانب الرمزي والاسلوبي في العمارة، الجانب الرمزي يتمثل بشكل رئيس في الأيديولوجيا او المؤسسة التي تمثلها العمارة او تندرج في ظلها لكنها كذلك قد يكون لها مدلول مرتبط بمؤسسة أخرى ويحدث من ثم نوع من التجاذب او الارتباط بين المؤسستين من خلال الرمزية الكامنة الدالة على كل منهما.
• من ناحية الأسلوب فيمكن للمرء ان يتصور ان الجانب الرمزي في العمارة هو الرسائل المضمرة فيها بينما الاسلوب هو وسيلة التعبير عن هذه الرسائل لكن في الحقيقة فإنه يمكن القول أن الاسلوب كيان قائم بذاته، الاسلوب في النهاية هو المفردات والأشكال والطرق التي يمكن من خلالها دمج هذه معا بما يتوافق مع ثقافة المجتمع ومعايير الجمال لديه ومن ثم فقد يكون توظيفها لإيصال بعض الرسائل وقد يكون كذلك اتباعا للعادات الجارية في العمارة وبمثابة توظيف الاسلوب المتعارف عليه.
• يمكن لذلك القول أن كل مرحلة تطور أسلوبها الخاص للتعبير عن أيديولوجيتها ورؤيتها للعالم ثم يستقر الاسلوب ويُتوارث إلى أن تظهر مرحلة جديدة لا تقنع بالاسلوب القديم وترى فيه عجزا عن الوفاء بحاجاتها التعبيرية فتلجأ للابتكار ومحاولة استخلاص أسلوب جديد لا يلبث كذلك حتى يستقر ويثبت.
• ثم علاقة قديمة بين الرعاة وبين المعماريين والتي يمكن اجمالها في ان الراعي (السلطان او الخليفة) كان يعهد لأحد بنائيه او معماريه برؤيته والغايات التي يقصد للبناء ان يبديها ويمثلها ثم يترك للبناء حرية التصرف في نقل تصوره للواقع وقد اثمر ذلك مجموعة من الأبنية المتعارف عليها كمثل المساجد الجامعة والقصور والخانات لكن في حالة العمارة المملوكية فإن ذلك قد اختلف وتبدت تجليات هذا الاختلاف في هجر عمارة المساجد الجامعة الكبرى وكذلك القصور والخانات مقابل التوسع في المدارس والخانقاوات والاربطة والمشاهد وهي مؤسسات لم تكن تحظى قبل ذلك بهذه العناية الكبيرة باستثناء الأيوبيين والمماليك بطبيعة الحال هم ورثتهم ورغم ذلك فان هناك اختلاف ضخم في أسلوب العمارة بين المماليك والايوبيين رغم اتفاق الأيديولوجيا!
• يمكن رد الدوافع المعمارية لدى السلالات الإسلامية في أصولها إلى جانبين، الجانب الملوكي والذي يهدف إلى إظهار عظمة الخليفة او السلطان ومجده وتفرده وذلك من خلال إنشاء القصور الهائلة وما يحتف بها من ابهة واحتفالات باذخة وكذلك من خلال إنشاء المدن الجديدة والتي بقدر ما تظهر عظمته تفصله عمن سبقه من السلالات وتعزلها عنه بحيث لا يتأثر الشعور بمنجزاته الهائلة بالروح التي نشرتها السلالات العظيمة السابقة (كما تفصل الحاشية والبلاط والنخبة عن العامة والرعاع وهو مسلك يمكن تتبعه في تاريخ مصر حتى العصر الحديث) اما الجانب الاخر فهو الجانب الديني والذي يتمثل في إنشاء المساجد الجامعة الضخمة والتي بقدر ما هدفت لتوفير أماكن للعبادة في المدن الجديدة الضخمة فقد هدفت كذلك لتوطيد صورة الحاكم كراع للإسلام والمسلمين ملتزم بالدين حريص عليه.
• بالنسبة المماليك ومن قبلهم الايوبيين فالمفاجئ والمثير انه لم تحاول احداهما متابعة السلالات القديمة في ذلك النمط من العمارة أعني عمارة المدن الجديدة والقصور الباذخة ذلك أن وسم صلاح الدين ومثله نور الدين محمود كمجاهدين للدفاع عن الإسلام والمسلمين لم يكن ليتوافق مع هذه المساعي الدنيوية بالإضافة ان بذخا كالبذخ الفاطمي له ما يبرره في الاعتقاد بأنهم من نسل النبي عليه الصلاة والسلام وخلفاء الله على أرضه ورعاة عباده بينما خلا الايوبيون والمماليك من مثل ذلك.
• يمكن لذلك اعتبار اختلاف الرؤية او الايديولوحيا الملوكية عاملا فارقا في الفرق بين النمطين من العمارة، هدف المماليك دوما من احتفالاتهم توجيه الانظار الى قدراتهم العسكرية باعتبارهم مجاهدين مقاتلين اشداء ومن هنا لم يكن إنشاء القصور المترفة ليدعم تصورهم الذي اعتنقوه عن أنفسهم واشاعوه من حولهم.
• هذا فيما يخص المدن الجديدة والقصور لكن بالنسبة للمساجد الجامعة الضخمة يفاجئنا من ناحية هجر المماليك لهذا النمط من العمارة ومن ناحية أخرى افتتاح العصر المملوكي بمسجد ضخم هو مسجد الظاهر بيبرس، اما مسجد الظاهر بيبرس فنظرا لحجمه الهائل وعمارته التي تشبه عمارة الحصون والقلاع وكذلك للمواد المستخدمة في بناءه والتي استقدمت من قلاع الصليبين بالشام بعد نقضها واخيرا لبناءه في ميدان فسيح بعيد عن سكنى الناس بالأساس مع منعهم من البناء حوله فإن كل ذلك يشي بالغاية منه والتي قصد منها إنشاء صرح يخلد انتصارات السلطان المملوكي على كل من المغول والصليبين بحيث يظهر السلطان المجاهد مظفرا قاهرا لاعدائه ملقيا بالروع في قلب كل من يلقي نظرة على مسجده الضخم والرائع.
• لذلك فإنه يمكن القول أن مسجد الظاهر بيبرس استثنائي، اما الطابع العام فكان هجر هذا النمط من المساجد الجامعة والضخمة، وذلك في بعض منه راجع لاتساع رقعة الرعاة القادرين على إنشاء المساجد و المؤسسات الدينية والذين لم يكن بوسعهم بطبيعة الحال تحمل التكاليف الضخمة لهذه المساجد الهائلة من هنا مالوا للمساجد والمؤسسات الأصغر والتي يمكن التوسع في انشائها دون الحاجة لتكبد تلك التكاليف ومن هنا لم يعد كذلك السلطان هو المنشئ الوحيد او بالادق لم يعد ثم ارتباط حتمي بين عمارة المساجد الجامعة والسلطة ( يمكن القول لذلك بشئ من الحذر أن عمارة المدينة زمن المماليك كانت في جانب منها من إنشاء واشراف بعض أهلها من القضاة وموظفي الدولة والعلماء، لم تعد المدينة من ثم حضريا ومعماريا محتكرة من قبل السلطة وهذا ما يفسر في جانب منه تلك الطفرة المعمارية في ذلك الزمن) كذلك فإن المدارس والخانقاوات كمؤسسات تعليمية أقرب من حيث الوظيفة للتعبير عن الأيديولوجية المملوكية باعتبارهم حماة الدين والمنافحون عنه وذلك ما اكسبها رواجا وشيوعا.
• صحيح أن المماليك تبنوا المؤسسات الايوبية ورؤيتهم للجهاد والمدافعة عن الإسلام وورثوا منهم الكثير بما يجعلهم متبعين لهم. لكن على ذلك يمكن القول أن ثم طراز مملوكي له سماته الواضحة والمشتركة والتي تخالف سمات العمارة السابقة عليه ولها كذلك دوافعها وأسبابها الفنية و الأيديولوجية التي دعت لوجودها واستقرارها.
• هل يمكن القول أن ثم طراز مملوكي واحد ؟ في الحقيقة هناك بضعة طرز يمكن تلمسها على التعاقب خلال العصر المملوكي لكنها سرعان ما ستستقر ملامحها في الدولة البرجية، لكن ما يبرر القول كذلك ان ثم طراز مملوكي موحد هو ذلك التأثير المشترك بين جميع الآثار المملوكية وهو سعيها لاحداث نوع من الرجة الدرامية والتأثير البالغ على حواس المتلقي والمار بها بما يجبره على الالتفات لها وتأملها وذلك من خلال مجموعة من العناصر.
• أولها ذلك الإشراف الهائل الذي تتمتع به والذي لا يرتبط بالضرورة بمساحة كبيرة ولكنها ترمي دوما للاشعار بالتطاول والذي تلقيه في النفس القباب المضلعة و المرتفعة على اعمدة دائرية طويلة او المنارات العالية بصورة غير عملية في كثير من الأحيان، ثانيها ذلك الاهتمام الهائل بالواجهات ولاسيما المداخل الباذخة المحفورة في عمق الواجهات تعلوها مقرنصات مركبة مفضية إلى نصف قبة ويحتفها في الواجهة من الجانبين مواضع غائرة كذلك مزين اعلاها بالمقرنصات ايضا.
(يبدو في الصورة المدخل الهائل لجامع المؤيد شيخ)
(صورة لمدخل جامع المؤيد عن قرب، يلاحظ الوفرة الهائلة للمقرنصات والتي تذكر بمدخل جامع الأشرف شعبان، وكذلك يبدو الباب الرائع والملطوش من جامع السلطان حسن )
ثالثها هو ازدياد الاعتماد على الحجر وغلبته على على كثير من مواد البناء واجزاءه حتى حل محل الجص في النقش والتزيين، لجأ الفاطميون للحجر في الأجزاء السفلى من بعض ابنيتهم لكن الملاحظ واللافت للنظر للغاية هو ذلك الاعتماد المملوكي الضخم على الحجر والذي هو اشق في تطويعه وتذليله واشد احتياجا لمهارة أعلى وموارد اكبر، لاشك في ذلك الانطباع بالعظمة والفخامة التي يطبعها الحجر في نفوس مشاهديه بما يضفي على تلك العمائر أحيانا هيئة الحصون المشمخرة ولعل ذلك الانطباع الباذخ والقوي هو ما جذب المماليك للحجر عن سواه من مواد البناء، اما رابعها فهو شغف المماليك بالالوان والذي يبدو في استعمال الاخشاب والرخام الملون وتزيين جدران القبلة والمحاريب بالرخام الأبلق الملون المتتابع وكذلك الزجاج الملون في النوافذ وغيرها.
(الصورة من كتاب قاهرة المماليك لدوريس ابو سيف وهو لمحراب المدرسة الطيبرسية الرائع بالازهر وعنه يقول المقريزي “وتأنق في رخامها وتذهيب سقوفها حتى جاءت في أبدع زي وأحسن قالب وأبهج ترتيب، لما فيها من إتقان العمل وجودة الصناعة بحيث أنه لم يقدر أحد على محاكاة ما فيها من صناعة الرخام، فان جميعه أشكال المحاريب”)
بالطبع تفاوت ذلك كله بين الآثار والمنشآت المختلفة وكذلك الأزمنة المختلفة بحيث يمكن القول أن زمن المماليك البرجية كان أشد ولعا بالالوان وفنون زخرفة الحجر (كمثل القباب الجركسية العظيمة) لكن العناصر الأساسية دوما ما كانت هناك.
(مآذن الأزهر جميعا لا تنتمي للحقبة الفاطمية ولكنها من إضافات المماليك وهي مآذن الغوري واقبغا وقايبتاي)
(قبة قايتباي شديدة البهاء)
(نماذج للقباب المملوكية، الصورة من كتاب بريس دافن الفن العربي)
• لكن إذا كان المماليك كما اشرنا مرارا قد ورثوا أيديولوجية الايوبيين وكذلك مبرر وشرعية وجودهم فما الذي يوجد ذلك الفرق الهائل بين الطرازين ؟ لفهم ذلك لابد أولا من الإلمام بالطراز الأيوبي والذي يمكن القول انه امتداد للطراز الفاطمي المتأخر ومنشآته في العادة اميل للتوسط في الاحجام قياسا للطراز المملوكي اللاحق، وعلى قلة ما بقي من ذلك الطراز الايوبي الفاطمي فإن نظرة مثلا على جامع الصالح طلائع أو مدرسة الصالح نجم الدين أيوب تشي بذلك التضاؤل ازاء المنشآت المملوكية المقابلة والتي كأنما كان هناك دوما إصرار على امتدادها الافقي وتطاولها وتوكيد على ذلك في التصميم وذلك ما يبدو في المقارنة بين مآذنة الصالح نجم الدين والتي هي اقصر بعدة أمتار من نظائرها المملوكية لكنها كذلك مرتكزة على عمود عريض مربع كأنما يشدها للأرض، للمبنى الذي تمثله بخلاف المآذن المملوكية الرشيقة والمرتكزة على عمد مثمن بما يدعها ترتفع محلقة في الفضاء. كذلك فإن القباب كانت أقصر مرتكزة على قاعدة مثمنة ثم مربعة قائمة على المنشأة مباشرة بما يحرم العين سلاسة الانتقال للأعلى في النظر، لم يفتقر الصناع في تلك الأزمنة للمهارة لكن السلطة لم تكن بحاجة لتلك الأدوات الخطابية في التعبير عن نفسها. يبدو الفرق كذلك في المواد الموظفة للزخرفة والزينة، ذلك ان الايوبيين في وراثتهم للفاطميين ورثوا كذلك الاعتماد الكبير على الخشب والجص والذي بمرور الوقت سيهجره المماليك لسواه كما سيهجرون الموتيفات والوحدات الزخرفية التي طورها الفاطميون واستبقاها الايوبيون من بعدهم.
• وهذا بدوره يثير ذلك التساؤل اللافت وهو كيف استبقى الايوبيون الطراز الفاطمي واعادوا توظيفه لصالحهم رغم القطيعة الأيديولوجية ورغم ان احد مبررات قيام الدولة الايوبية نفسها كان القضاء على للفاطميين في حين أن طراز المماليك رغم وراثتهم للايوبيين في كل شئ تقريبا (سياسيا وثقافيا ودينيا) كان قاطعا مع طرازهم بحيث هجروه وطوروا اسلوبهم الخاص، الاحتكام للذوق فقط يلغي السؤال ويفقده معناه، كذلك تصور ان الطراز الأيوبي قد استنفد غاياته أمر يصعب الجزم به لكن المؤكد أن المماليك لم يجدوه وافيا بالرسائل التي قصدوها التعبير عنها، كان هناك تغير في expressive intent.
• في سبيل توضيح ذلك التغير يمكن تصور أنه في العقل الأيوبي لم يكن ثم طابع معماري خاص لتلك المنشآت التي اجتلبوها كالمدرسة والخانقاه بحيث يحتاج اليه للتعبير عن مقاصدها وغاياتها وكذلك فإنه لم يكن هناك اقتران بين الطراز المعماري الفاطمي وبين العقيدة الإسماعيلية والتي سعى الايوبيون للقضاء عليها فلذلك لم يروا بأسا في استبقاء ذلك الطراز والبناء عليه. لكن هل كان ثم غايات دينية ومقاصد مقترنة بتلك الابنية قد تجلت في زمن المماليك بحيث ظهر الاحتياج لتطوير العناصر المعمارية ودمجها معا في طراز جديد مختلف أم ان الأمر في جانب كبير منه سياسي مرتبط بعقيدة ثانوية ارتبطت بتلك المؤسسات وبرزت الحاجة للتوكيد عليها وإبرازها بشكل واضح وقوي ؟
• اذا تناولنا مثلا المدرسة المملوكية فاننا سرعان ما نلاحظ فيها الكثير من السمات غير المرتبطة بوظائفها التعبدية والتعليمية. وهي كذلك سمات متكررة في عدد اخر من المنشآت المملوكية وليس لها ارتباط وثيق كذلك بوظائفها الاصلية، هذه السمات مثل القباب الفخمة، المآذن العالية المشمخرة والبوابات الباذخة. سمات يمكن اعتبارها بدرجة ما علمانية! كيف يمكن للمأذنة أن تكون كذلك ؟ إذا لاحظنا الارتفاع الهائل للمآذن المملوكية ورشاقتها وكذلك زخارفها الدقيقة أمكن تصور انها لم تبن ليرقاها المؤذنون ولكنها صممت لتكون بمثابة ادلة وعلائم، لا للدلالة على أماكن العبادة فقط ولكنها بهيمنتها على سماء القاهرة كأنها تدل الناظر على مجد المماليك وعظمتهم الهائلة ومقدار السلطة التي يمتلكونها. لكن إذا كان يمكن التفكير في تسلل هذه المعاني اللادينية/العلمانية لرأس السلاطين المماليك فكيف يمكن تأويل ذلك في حال القباب مثلا، وقد درج البناءون على استعمال القباب في المساجد وغيرها بحيث أصبحت عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه حتى لو لم يكن ثم معنى واضح له! لكن إذا التفتنا إلى الاضرحة والمشاهد والتي عادة ما كانت تقام لأجل الاحتفال بعالم او فقيه او مجاهد او شهيد او صوفي وعادة ما كانت مقببة وقد انتشرت بشكل واضح في العالم الإسلامي ومصر نفسها ولكن فقط مع تسلطن الايوبيين ظهرت تلك القباب الضريحية للأمراء في مصر لكنها أبدا لم تضارع في عظمتها تلك القبة المنشأة للإمام الشافعي وظلت دوما دونه، ورث المماليك ذلك كله ومن هنا كانت قبابهم الضريحية الهائلة لا لتمثل سلطانهم القاهر وعظمة مجدهم فقط ولكن لتلقي في الروع معاني الجهاد والتقوى والتي تنبع من قتالهم للذود عن الدين واهله بما يجعلهم فرسان الإسلام ويمنحهم شيئا من التبرير للتغالي في تلك الابنية الباهرة لكن هذا فتح الطريق كذلك لا لبناء القبة الضريحية الهائلة منفردة تلفت وحدها النظر وتستأثر به ولكن ملحقة بمدرسة كأنما تأوي إليها وترتكن لظلها وتبحث فيه عن شرعية ومبرر للوجود والضخامة وكذلك تربطها ببعض الميول الصوفية من مثل رجاء الرحمة من تلاوة القرآن وتدريسه في الجوار او الاندفان تحت اقدام الصوفية كما قال الظاهر برقوق.ببساطة أن تدركهم البركة من جراء التلاوة والصلاة والافعال الصالحة والتي منها إنشاء هذه المدارس والخوانق المفعمة بالعبادة والذكر، لا يملك الناظر حينئذ من الاعتقاد ولو بدرجة ما في صلاح السلطان أو الأمير صاحب المنشاة وكذلك لا يملك التفكير في مقدار اعتماد الإسلام ومنشآته على قدرة السلطان ونفوذه. بالطبع ورث المماليك اشياء من ذلك ممن سبقهم لكنهم طوعوه لغاياتهم واضافوا اليه الكثير من التفاصيل والدقائق التي ترافقت مع غاياتهم التعبيرية في ابراز طرازهم الخاص. من هنا تكتسب القبة بزخارفها الهندسية المميزة و المبهرة لاسيما في العصر الجركسي، خصوصيتها وتترافق مع المآذن الرشيقة والمداخل/البوابات الباذخة في إيصال المعاني اللادينية والرسائل التي رغب السلاطين والأمراء في ابرازها من مجد وعظمة وسطوة.
• لكن المؤثر والذي سيطبع تلك المحاولات المملوكية للتعبير عن سطوتهم ونفوذهم (expressive intents) هو ذلك التجاذب بين الوظائف الدينية التي تنهض بها تلك المؤسسات التي ميزتهم وميزت عمارتهم (المدارس والخوانق وغيرها) وبين تلك الاشكال المعمارية (القباب ذات التفاصيل الهندسية المعقدة والمآذن الرشيقة والمداخل الضخمة) التي طوروها بما تضمره من معان علمانية تدور حول التعبير عن مجدهم وعظمتهم، هذا التجاذب الذي يصل حد التنافر والافتراق أحيانا هو في جانب منه معبر كذلك عن العلاقة بين النخبة المملوكية العسكرية الحاكمة وبين قيم الإسلام التي يعتنقها المجتمع المحكوم.
• يبدو الأمر أشد ما يكون وضوحا للعين المحدثة على الأقل في التركيبة السياسية لحكم المماليك. كمثال على ذلك طبقة العلماء والتي يفترض بها أن تمثل نظام القيم الاسلامية وقد تمتعت بالتبجيل في زمن المماليك لكنها على ذلك وفي النهاية كانت بمعزل عن القرار السياسي رغم تمتعها ببعض الوظائف بشكل احتكاري كمثل التدريس والقضاء وحتى قرب نهاية زمن الجراكسة بالحسبة وقد حظوا كذلك ببعض المناصب الإدارية ولم تكن تلك المناصب شرفية بحال ولكن كل ما كان متعلقا باتخاذ القرارات والسلطة السياسية فقد احتكر لصالح المماليك وامراءهم. وكذلك فقد كان للمماليك تأثيرهم على العلماء وشئونهم حتى بلغ الأمر أحيانا تدخل السلاطين للبت في نزاعات عقدية لاهوتية كمثل ما حدث في محنة ابن تيمية وخصومه في زمني بيبرس الجاشنكير والناصر.
• يمكن القول ذاته بخصوص العمارة المملوكية والتي من ناحية تمثل محاولة المماليك ذوي الأصول الأعجمية غير المسلمة واللغة التركية للاندماج في مجتمع عربي مسلم. فحين يشرع أمير برعاية وانشاء واحد من تلك المؤسسات الدينية الفخمة فإنه بذلك يعلن خضوعه للقيم التي يعتنقها المجتمع الذي يحكمه من خلال تزويده بتلك المؤسسات التي تعزز هذه القيم وترسخها. وكلما كانت تلك الابنية اضخم وافخم كان ذلك ادل على اهمية منشئها و بالضرورة طبقته للاسلام ولمؤسساته. ومن هذه الناحية فإن هذه العمارة الدينية بمثابة دليل تقدمه تلك الفئة المغتربة بما يثبت أهميتها للمجتمع الذي تحله وتحكمه وان لها دورا شرعيا فيه. لكنها من ناحية أخرى كشفت من خلال الفخامة الهائلة والبذخ الضخم عن رغبة المماليك في التعبير الواضح عن مجدهم وانهم باعتناقهم الإسلام فقد صاروا حماته والقائمين بأمره.
يعاود المرء الارتباك من جديد حين يتأمل تلك الملامح الإنسانية وراء العمارة المملوكية الشامخة وكيف يتسرب الضعف الإنساني والخوف والاغتراب ومحاولات الانتماء والاندماج إلى الأحجار والرخام والأبنية الفخمة الهائلة التي أريد منها أظهار المجد والقوة والسلطة!












