يمكن القول بقدر من التحرز أن السيدة أم كلثوم مثلت بغنائها صورتين من الشاعر المتفلسف عمر الخيام !
عمر الخيام في عباءة رامي/السنباطي
الأولى في أغنيتها ذائعة الصيت رباعيات الخيام، ورغم أنها كانت ترجمة لأبياته الشعرية صاغها رامي إلا أن اللحن الذي وضعه السنباطي لهذه الأغنية انما هو صورة لما في نفسه هو لا المشهور عن عمر الخيام، نستطيع أن نلمس ذلك في طبيعة الكلمات وبنية اللحن نفسه.
وقد جرى في ذلك على المأثور عنه من شرقيته.. معجونا بخطابية صارخة.. فهو لا يفتا ينادي أحدهم.. نديما.. خليلا.. رفيقا.. أو يمكنك أن تقول أنه إنما يخاطب نفسه مجردا منها نديما يفضي إليه بما في خاطره .. لكن تلك المناجاة وذلك الافضاء يخرج عن كونه مسارة أو همسا داخليا يعتمل بنفسه بل هو صراخ يشبه أن يكون محاولة للتخفف من هذا العبء الذي طال ما برح به وثقل عليه..
لا تشغل البال.. اغنم الحاضر.. لا توحش النفس.. امش الهوينى.. افق خفيف الظل..
(أولى بهذا القلب أن يخفقا وفي ضرام الحب أن يُحرقا
ما أضيع اليوم الذي مر بي من غير أن أهوى وأن أعشقا
أفق خفيف الظل هذا السحر نادى دع النوم وناغ الوتر
فما أطال النوم عمرا ولا قصر في الأعمار طول السهر)
وهو في كل تلك النداءات إنما يتبعها بعللها التي خلص إليها بعد رحلة طويلة من التأمل إن شئت أو المعاناة أو الشعور الداخلي المتولد عن مقاساة التجارب وممارسة الحياة .. ثم ينتهي في ختام ابياته إلى الضراعة للمولى سائلا إياه إن يعفو عنه ويتقبله في غمار الايبين المنيبين إليه.. في مسحة صوفية حارة.. وانفاس عاطفية محترقة مألوفة من السنباطي في كل ما لحن.. لا تكاد تخطاها وهي تتخذ أشكالا شتى لكن جوهرها واحد.. وسيان أن تكون لحبيب في هذه الدنيا أو لمولى في السماء...
الخيام الوهابي 😀
- وجلت لنا بصورتها خياما آخر متواريا وراء قناع نديم له أتى بعد قرون طويلة لكنه مخلص لتعاليمه وروحه التي شاعت عنه في صورته التي يمكننا ايضا إن نتلمسها في نصوص الرباعيات إذا خلصناها من سطوة صياغتي رامي و السنباطي معا!
ولا عجب إن يكون الرجلان ثنائيا قل مثيله في عالم الغناء... ويبدو أن التقارب الروحي بينهما هو ما جعل ألحان السنباطي هي هي اشعار رامي لكن بلغة موسيقية!...
إذا نظرنا في أغنية هذه ليلتي وجدناه يشير إشارة دقيقة للخيام إذ يقول و النواسي عانق الخيام.. هؤلاء الندامى من رفاقه الذين آمنوا كما آمن الشاعر أن الأمر كله انما هو هنا والآن... وليس ثم بعد.. فلنتساق إذا كئوس الهوى والخمر ولنلهو ونسهر فسوف تعبث بنا الحياة وتتقلب... لا ثبات لديار ولا لشئ..
صورة مأساوية متفجعة تدرك إدراكا عنيفا مقلقا أن الدهر لا يبقى عليه شئ.. فهو دائب الحركة.. كما قال الشاعر القديم يشيب الصغير ويفني الكبير.. ولامر ما بكى العرب اطلالهم وبكوا معها ذكرياتهم واحبتهم... وإذ كان كل شئ إلى فناء وزوال فأي معنى يبقى لخصام وفراق انما هو العتاب في ثنايا الحديث ثم نهرع للاحتماء بظلال الحب و الوصال من قسوة الفراق ورعب الفناء..
هذا أيضا ما يقترحه خيامي رامي إذ يقول فاغنم من الحاضر لذاته.. لكن الخيامي الاخر لا يشغل باله من الاساس إن يعنى بتوجيه نصيحة لأحدهم.. بل ينغمس في تلك اللذات حقا وهو أيضا لا يجملها.. بل يفصل فيها.. يغرق في تفاصيلها هروبا من التفكير في انقضائها كما لو كان ذلك التفصيل خليق أن يغمي عينيه عن زوال تلك اللذات بالكلية...
وبقدر ما كانت الخطابية ساطعة باهرة في صياغة السنباطي ورامي فهي هنا تتراجع وتكاد تختفي.. فهو لا يلقي إلينا بالنصائح الحكيمة كما لو كان عليما بصيرا منفصلا عن الحياة يرمقها من بعيد وانما هو هنا يبصر العصافير تهجر الاوكارا ويرى الحب يبدل الديار والأحبة يتفارقون إما بفعل الحياة أو بقضاء الموت فيهرع إلى الخمر و الغرام كي يطفئ نيرانه لا يسألك إن تغنم أو لا تغنم.. هذه مسألة لا تعنيه.. هو هنا ابن الحياة البار.. يخبرنا عن خمرة حبه وامانيه وينادي حبيبه يسأله الاقبال ويستعيد معه ليالي اسهره فيها الشوق وحديثا ترامقت به العيون وسكتت عنه الشفاه....
- وبقدر ما كان اللحن السنباطي قالبا ملائما لصياغة رامي و نفسيته كذلك كان لحن عبد الوهاب و نفسيته.. بصخبه وحزنه وبهجته الراقصة المتقافزة..
يا حبيبي طاب الهوى ما علينا.. ما علينا من حديث الديار والفراق..
دعنا من كل ذلك الغم والقرف ورعب الفناء وفزع الزوال وتعال نتراقص هنا والان.. تعال نبتهج ونحتفل من الحاضر بلذاته.. لا ننادي بذلك سوانا بل نغرق في تلك اللذائذ حتى الثمالة.. فإن الحياة سوف تلهو بنا وتسخر.
فتعال.. تعال.. يا حبيبي.. بكل ما يمكن من تجسيد وحضور.. تعال احبك.. الآن.. أكثر...
هذا هو الخيامي والذي ما كان للسنباطي المتصوف المتفاني في حبه المشيح بوجهه عن الدنيا الارضية الساعي إلى الله يناديه ويناجيه جهرا وعلانية.. يسأله أن يغفر له خطيئاته...ما كان له أن يصوره!
رباعيات عمر الخيام، كما صورها إدموند دولاك
ملاحظة أخيرة
غيرت أم كلثوم في بعض أبيات هذه ليلتي، حين غنت
مثلا
والمساء الذي تهادى إلينا ثم اصغى والحب في مقلتينا
لسؤال عن الهوى وجواب وحديث يذوب في شفتينا
قد أطال الوقوف حين دعاني ليلم الأشواق عن أجفاني
وقد غنى الأبيات في صورتها الأولى عبد الوهاب على عوده
وهي كالتالي :
والمساء الذي دعانا إليه ثم أصغى والحب في مقلتيه
لسؤال عن الهوى وجواب وحديث موشح بعتاب
قد أطال الوقوف بين يدينا ليلم الأشواق عن شفتينا
فادن مني وخذ إليك حناني ثم أغمض عينيك حتى تراني
و هي بنظري أجمل وأرق من الأبيات المحورة
ذلك أن الليل/المساء هو من دعاهم إليه فلبوا دعوته و لطف الإشارة والمجاز أن الليل بسكونه ورقته ونسيمه واستتاره كل ذلك قام مقام الدعوة لهما ليتمتعا بساعات من الوصال في غياب كل رقيب.
ثم لما دعاهم جعل يصغي لحديثهم وما ثار بينهما من سؤال عن الهوى وجواب وهي هنا ليست على المعنى الحرفي بمعنى سين وجيم في العامية ولكن على معنى الرقة والخفة.. سؤال من العاشقين كليهما للاخر وجواب.. تورية عن كلمات الحب والشوق...أما العتاب فهو تعاتب المحبين.. تمثيلا للغنج والدلال
والسؤال والجواب والعتاب يظهر بوضوح في قول بيرم التالي
بقى يقول لي وأنا أقول له وخلصنا الكلام كله
يقول لي قلبي بودك أقول له قلبي أنا أكثر
يقول لي اد إيه حبّك أقول له فوق ما تتصور
وأقول له خايف لتنساني يقول لي مستحيل اقدر
بقى يقول لي وأنا أقول له وخلّصنا الكلام كله
فأنت كما ترين فإن الجملة الثانية هي سؤال الهوى وجوابه والجملة التي تليها هي عتاب المحبين الذي يعترض في ثنايا حديثهم عن الهوى..
خايف لتنساني بما تضمره من اتهام رفيق خفيف خشية النسيان والتغير عن العهد ثم تطمين وتهدئة روع ..
ثم أن الليل شاهد على ذلك الحب الرقيق فكأنما امتلأت مقلتيه حبا ولذلك أطال الوقوف ليصغي و يتأمل و يلملم الأشواق التي لا تجد لها سبيلا في النهار بين زحام الناس..
ويمكن ملاحظة ذلك في ترجمة اللحن و تعبيره سواء في سؤال عن الهوى وجواب او في جملة حديث موشح بعتاب..
وكذلك فإن العتاب هنا لائق بسياق القصيدة كلها والتي تحض على التواصل واجتناء اللذات خشية يد الدنيا المفرقة والتي ستلهو بهم على كل حال..
فالعتاب والدعوة إلى الدنو لتلقي الحب والحنين متلائمة مع ما عسى يظهره بعض المحبين من تمنع وبعد وضن فالعتاب يكون من هنا وهو نابع من خشية التفلت..
لأجل ذلك كله ارتأيت أن تغيير الكلمات لم يكن بالموفق وقد أخل بمعاني القصيدة لأنها ليست عن مجرد الوصال والحب والحديث في الليل ولكن عن مبادرة لذات ذلك كله خشية التفلت والتغير وذلك مما لا يتخذه الناس جميعا فلسفة فيختلفون فيما بينهم وتقع المعتبة..
من ناحية اخرى فإن فتهادى إلينا افقدت الاستعارة معناها لان المساء سيتهادى على كل حال والحب في مقلتيه هو وانفعاله بما يصغي إليه ابلغ من الحب في مقلتينا لانه هناك على كل حال لكن بدوه في مقلتي الليل يعني أنه انفعل بهم او هو متواطئ معهم معين لهم على الوصال بخلاف النهار وهذا يتسق مع إطالة الوقوف والتي تعني طول الليل ليتسع لأشواقهم وسؤالاتهم وجواباتهم..
واصغاء الليل نفسه كأنما يعي أن بين يديه محبين يتهامسان فيستأني ويرق نسيمه ويطيب فيكون ذلك كله دعوة لهم ليعمروه بحديثهم مستظلين بسكونه بعيدا عن أعين الرقباء والوشاة والحاسدين..
اما حديث موشح بعتاب فهي خير وادل من حديث يذوب في شفتينا.. وهي من أبرع الاختيارات لأن مدار الحديث لا على العتاب ولكنه يمر مرورا عابرا خلاله وهذا أوقع بين المتحابين بالنسبة لي في مزج حديث الحب بتعاتبهم فيما بينهم عتابا رقيقا.
وهذا بالأساس ما يحرك الليل ليصغي ويعجب والحب في مقلتيه.. لأنه إذا كانت الايام والنهارات تفرقهم وتفصلهم فلديهم الكثير مما يقوله كلاهما لصاحبه مما يتسق مع جملة ليلم الاشواق عن شفتينا لاحقا.. وهذا متسق مع روح القصيدة التي تميل للواقع وانتهاب لذائذه بخلاف ليلم الاشواق عن اجفاني فضلا عن إنها توحي بأن الأمر من طرف واحد فإنها درجة من المثالية تلائم رامي ويمجها العشاق الذين يجمعهم الليل إذ مستحيل إن يقنعوا بالنظر واشواق العيون وهي ما يمكن إدراكه بيسر في النهار لكن الليل بدعوته لهم يدعوهم لما فوق ذلك من وصال أشد قربا وحميمية..



