(بورتريه مع الموت، أرنولد بوكلين)
"من يرصد الريح لا يزرع، ومن يراقب السحب لا يحصد.
كما أنك لست تعلم ما هي طريق الريح، ولا كيف العظام في بطن الحبلى، كذلك لا تعلم أعمال الله الذي يصنع الجميع.
في الصباح ازرع زرعك، وفي المساء لا ترخ يدك، لأنك لا تعلم أيهما ينمو: هذا أو ذاك، أو أن يكون كلاهما جيدين سواء"
سفر الجامعة
أذرع المدينة هائما، في قلبي هوة فاغرة لا أعرف كيف أملأها، كآبة ثقيلة لا أدري لها سببا محددا. أنصرف إلى سماع مواويل عبد الوهاب القديمة. أغرق في دائرة لا نهاية لها مراوحا بين" مسكين وحالي عدم" وبين" ازاي بنصبر على ذل الهوى" يخترقني الصوت الشجي الرقيق الذي لطالما وجدت فيه أنيسا ونديما. أكره تلك اللحظات العاطفية المفرطة ولا ترتاح نفسي للكلمات تماما لكني أجد في شجى الصوت ورهافة اللحن وحزنه العميق ما يلائم ظما فؤادي (أكتب الكلمة ويتردد بخاطري توشيح الشيخ البهتيمي الشجي فؤادي غدا من شدة الوجد في ظما وهل أشجى من الأستاذ إلا الشيخ وتوشيحه والشوق الذي لا يريم للحطيم وزمزما) ثمة قدر هائل من الشجن الوجودي إن صح القول في تلك العين وذلك الليل الذين يترنم بهما ومن بينهما الكمان التي تنغرز نغماتها في قلبي المفتت مع كل سحبة قوس من سي سامي الشوا.
أنصرف بوهمي إلى المدينة الباردة التي أخترق قلبها المظلم، أدير فيها نظري وأتأملها طويلا، سكونها الغامر وخفوت أنوارها ونزارة الخلق من حولي كأن ليس فيها من أحد سواي، ومع افتقاد الناس وتكاثف الظلمة لا يملك المرء إلا أن يدير عينه للداخل، لا يستطيع إلا الانشغال بنفسه أو بما يختلج بخاطره من أفكار يمكنه أن يستدعيها لئلا يغرق في ذاته، تبدو المدينة تحت عباءة الشتاء الثخينة وكأنما توصد أبوابها دون سياحة النفس في أرجائها، هل تمارس المدينة أيضا البيات الشتوي ؟
أدع ذلك كله وأفكر في الوصف الذي قرأته عن المدن ولاسيما العتيقة منها كرقوق حائلة (palimpsests) تتعاقب عليها الخطوط والكتابات يتراكم بعضها فوق بعض بالهدم والبناء
(ينجم ذلك في بعض الأحيان من تحول المدينة لميدان تتصارع فيه الأحلام المختلفة على تشكيل وجهها وخلقها على صورته بين من يراها ممثلة للامبراطورية بما يعنيه ذلك من بذخ وأبهة وبهاء وبين من يراها مختزلة في وظائفها شبكة محكمة من الطرق والمواصلات تنقل ساكنيها من نقطة لأخرى بسرعة وكفاءة أو من يراها حقا للناس تحقيقا للعدالة المكانية التي تمنح كل أهلها القدرة على سكناها والتمتع بها وذلك كله كمثل ما نرى من صنيع المماليك في القاهرة ثم الخديوي إسماعيل لاحقا بعد قرون طويلة مطلقا يد خادمه/وزير الأشغال علي مبارك واخيرا النظام الحالي في مصر وهتكه عرض القاهرة واستباحتها أحياء وأموات وكمثل ما صنع روبرت موزيس في نيويورك من شق الطرق وإقامة المتنزهات على حساب الكثير من أحياء الفقراء والذين كانوا عقبة على طريق أحلامه في إعادة تشكيل وجه المدينة وتم ازاحتهم ببساطة/ في بودكاست 99% invisible حلقات مطولة عن سيرة روبرت موزسس الضخمة the power broker وفيها وصف ما خضعت له نيويورك على يده وفي بعضه صورة مما ذلت له القاهرة)
ويصبح في الإمكان حرث وجه المدينة الظاهر عن ملامح زمن ماض مطمورة أو مخبأة بعناية، ولكن بأي عين ينظر المرء في المدينة من حوله قبل أن يشرع في البحث عن أسرارها و قراءة ما انكتب على لوحها وهل يخلع عليها الا بعضا مما في نفسه من كآبة أو سرور ؟ وكيف يراها من ثم ؟
كيانا عضويا طبيعيا تخترقه الحياة فتحيا أطرافه وتتمدد جوانبه وينشأ شيئا فشيئا على مر القرون ويصيب بعضه الموت فيبلى ويفنى ؟
أم تجمعا من الأورام السرطانية المتمددة و التي تحيط بقلب كان سليما فيما مضى، هذه الأورام التي تنتزع الحياة من أهلها بما تورثهم من أمراض كمثل الأمراض الرئوية والسرطانات من أثر مجاورة تلك الضواحي الصناعية مثل طرة الأسمنت ؟ ألا يخلق ذلك عداوة تجاه المكان وكرها لا يمكن الفكاك منه ولو من خلال زحزحة الذنب للسلطة كما يورث ثأرا شخصيا اذا توفي أحدهم من جراء تلك الأمراض ؟
أم يراها ماكينة معقدة بلا قلب ولا روح، صماء قاسية تدور تروسها بأهلها فتطحنهم داخلها ثم تلفظهم ؟
أم متاهة من المؤسسات المخيفة تهيمن على حياته و يرتهن لها ولأوراقها الرسمية وبيروقراطيتها الخرقاء والمتسلطة والعصية كذلك على الفهم لأنها ببساطة has its mysterious ways بما لها من ملامح ألوهية وسطوة لا يمكن مساءلتها؟
(اللوحة من زمن الطاعون العظيم في القرن السابع عشر وتمثل ببراعة مشاركة المدينة أهلها فيما يصيبهم من النوازل ولذا يرمز التوسل بالصورة يا مولانا ارحم لندن وحاصد الأرواح قد أحال المدينة خرابا وها هو يوزع سهامه يمينا ويسارا ويطأ بقدميه على التوابيت المتناثرة والناس بين ميت وفار)
أتأمل ملامح المدينة من حولي ويبهرني كيف تطوي وراء ذلك الهدوء الفاتر والبنيان الوادع المستقر آثار الدمار الهائل الذي ألم بها، كيف تجاوزت ذلك بحيث لم يعد من السهل كشف خداعها المتقن و حيلها الواسعة إلا للعين المدربة والمهتدية بعلامات التاريخ المخفية. لم أملك تلك العين المدربة بعد لكني رأيت من حولي الإعلانات المتتابعة عن ذلك المعرض الذي تقيمه البلدية لتلك الحال التي كانت عليها المدينة من الدمار والحطام الهائل بعد الحرب العالمية الثانية من خلال الصور التي التقطها أهلها. لا ينقضي عجبي من التفاوت الهائل بين ما تشهده العين من حولها وما تبصره في الصور. أفكر طويلا في سطوة الراهن والحاضر المقيم وارتهان المرء له لا يكاد يفلت منه لكنه رغم ذلك ورغم ما يبدو من ديمومته سريع الزوال كالبرق يلمع في السحب ثم يزول سريعا كأن لم يكن.
(مشهد من خرائب المدينة بعد الحرب والمسيح ممددا على الأرض مصلوبا بين الركام)
أحكي لأصدقائي من أهل المدينة عن ذلك المعرض، أستثيرهم لأظفر منهم بتاريخ قلما تدونه الكتب، تاريخ المدينة كما انطبع في نفوس أهلها وكما عاينوه في غدوهم ورواحهم وسعيهم في أرجائها. تفاجئني حكاياتهم عن وجه المدينة الساكن الذي يطوي تحته تاريخا حيا متفجرا حقيقة لا مجازا، يحكون لي عن ذلك الميراث الهائل من القنابل والرءوس غير المنفجرة والمودعة حنايا المدينة تطوي عليه صدرها ولذلك كلما شرعوا في بناء جديد تحتم عليهم حرث الأرض والكشف عن باطنها إما لإبطال آثار تلك القنابل أو لإخلاء المحيط من الأهالي وتفجيرها تفجيرا محدودا بعد محاوطتها بكل أسباب الأمان الممكنة.
(انظر هنا مثلا :
أفكر في ذلك طويلا، في باطن المدينة الشيطاني الذي لا يمكن حرثه بغير مخاطرة والذي مازال بإمكانه نشر الرعب والهلع والموت وبعث أشباح الماضي المخيفة من مراقدها في هيئة مناجل موت حاصدة، في تاريخها المثير الذي مهما حاولوا التصالح معه وتناسيه فإنه كامن لا يمكن الفرار منه، في الرغبة الوحشية في الثأر وذلك العنف الهائل الذي صُب على المدينة أطنانا من القنابل بحيث لم يُستنفد في حينه ولكن تخلف منه ميراث للأجيال اللاحقة، هل يمكن تبرير ذلك القدر الضخم من الحقد والعنف ؟ ومن يتحمل مسئولية تلك القنابل الساكنة سكون الشياطين في باطن الأرض ؟ (هل يمكن أن يعرف المرء بذلك ولا يفكر في غزة الصغيرة الشهيدة والوحشية التي قاستها ؟) وفي أثر المعرفة الحادة كالسهم النافذ أنك تخطو على أديم حي لعين يمكن أن ينفجر في أي وقت لسبب لا يعلمه إلا الله والتصالح مع ذلك ومواصلة الحياة وتطوع الفرق المختلفة من الأهالي لتطهير باطن مدينتهم من تلك الدفائن الخبيثة ومنهم من يجود بنفسه مضحيا غير مبال، أفكر كذلك في المفارقة مع باطن مدينتي القديمة والذي حين حرثته الجرافات قرب قلعتها الباذخة كشفت عن آبار قديمة وصهاريج سرعان ما أهيل عليها التراب من جديد لتبقى حبيسة طيات الأرض والتاريخ المتراكم.
(في الصورة مدافن تربة الجلال السيوطي المجرفة والأرض المحروثة والصهريج/البئر في ذلك الموضع قرب مأذنة قوصون على اليسار)
لا يفارقني التفكير في المفارقة بين المدينتين، يكاد يغريني الحديث بالانزلاق إلى ذم القاهرة بكل ما هو معتاد من وصم بالضجيج والزحام والاختناق و القسوة والكآبة إلى آخر تلك اللائحة الممتدة مسترسلا مع قول أحمد عبد المعطي حجازي
يا قاهره!
أيا قبابا متخمات قاعده
يا مئذنات ملحده
يا كافره
أنا هنا لا شيء، كالموتى، كرؤيا عابره
أجرّ ساقي المجهدة
للسيّده!
للسيّده!
أو بالمقابل الثناء المفرط على المدينة الغربية بنظامها وحسن ترتيبها ونظافتها وكرامة الناس فيها وأقول مع أبي الطيب
ملاعب جنة لو سار فيها سليمان لسار بترجمان
لكني لا أحب ذلك ولا هذا، أحب مدينتي القديمة، مدينة السلاطين والأولياء، القاهرة المقهورة وأحس بالرثاء لها ولما تلقاه وأهلها من عنت وظلم من غير تجاهل لما تفرضه على سكانها وكذلك لموقعي في النظر إليها كمغترب لا يلبث فيها إلا قليلا ثم يفارقها وما يصحب ذلك من نظرة مشوبة بالحنين محكومة بزمن قصير زائل وفي النفس فيض من المشاعر المضطربة، وأحب مدينتي الغربية لما آوتني واتاحت لي من متع ولذاذات وحرية واستقلال لم يتح لي من قبلها ولما أتاحت لي من هدوء وسكون يسمح باستجماع النفس والاصغاء إليها و الانتباه المتئد دون عجلة او قلق للحياة وتفاصيلها.
لكن صدري كلما استرسلت في الهيام بها يضطرب بقول أبي الطيب كذلك
ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان
ارتبك كلما استعدت البيت، أحسه عميقا وأفكر في الحد الفاصل الذي يتحول عنده السكون والهدوء وقلة البشر من نعمة يرجوها المرء إلى مفاقم للشعور بالوحدة والوحشة وافتقد من بين ما افتقد الألفة التي تنشأ مع صحبة يجري معهم اللسان بغير عجمة في شتى الأحاديث، افتقد حرارة الصداقة وصدق الأحاديث ومتعتها وتشعبها، أعود كل ليلة إلى البيت وقد حوشت في صدري الكثير الكثير من الحكايات التي أحتاج لمن أرويها له قبل أن تذوي وتهوي لفوهة النسيان الفاغرة على اتساعها، لمن يسمعني ولمن ينطلق معه لساني وتبوح له ملامحي بما يضطرم في قلبي، لمن لا يستعجم عليه لفظي ولا هيئتي ولا وجهي.
ألجأ للكتابة لكني لا أحبها ولا أرتاح لها وأشعر بثقل كلما حاولتها، أفقد معها تلك الأريحية التي ينطلق بها اللسان وذلك التشعب الذي يتيحه يسر الأحاديث وخفتها، أحس بالكتابة كمحاولة للإمساك بشبح عابر عصي على التقييد، روح مرسلة متفلتة من كل عقال تصطنعه الألفاظ والجمل، ما تمسكه الكلمات إنما هو ومضة عابرة من الروح التي تكمن ورائها، لقطة مجمدة ساكنة لحياة ملؤها الحركة.
فضلا عن ذلك البحث الدائب عمن يقرأ ما تكتبه ويلتفت لك من وراءه فلا تصده الكلمات والجمل ولا يميل به معرضا ما لعله يظنه من تكلفٍ لا نجاة منه مهما حاول المرء.
عن صداقة مستحيلة للأسف يمكن أن تنشأ في ظلال الكلمات!
صداقة تزهر مع الكلمات ثم تتسرب للواقع فتتوطد، صداقة لا تكون من الخفة بحيث يمكن للمرء أن يلقي بها وراء ظهره ثم يواصل دربه دون أن يلتفت.
عن أنس يمكن أن تنشؤه في النفوس بعض الخواطر المرسلة فتولف بينها، عن الغاية الأولى للكتابة وهي التواصل ونفي الوحشة والارتفاق على دروب الحياة المتشابكة والتي توشك أن تبتلع المرء وحيدا.
تتمثل لعيني شولميت في بحثها المحموم عن حبيبها وطوافها المضني ليلا تدور عنه في كل مكان، أفكر أني كمثلها ولكن في سعيي للصداقة في البلاد الغريبة، أرجوها بكل جوانحي وأسعى إليها بكل وسعي ولكن تنهض من دون ذلك عوائق اللغة أو المسافات أو غيرها ودوما ما أخفق أو بالأدق أرد الماء ولا أرتوي وأرضى من الغنيمة بالإياب قانعا بجرعة تطفئ الغليل ولو إلى حين، ما الذي يقوله ذلك عني وعن محاولاتي، لست أدري
“في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته. إني أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق وفي الشوارع، أطلب من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته. وجدني الحرس الطائف في المدينة، فقلت: «أرأيتم من تحبه نفسي؟» فما جاوزتهم إلا قليلا حتى وجدت من تحبه نفسي، فأمسكته ولم أرخه”
كلما خطرت تلك الأفكار ببالي وثب جانب من نفسي يقوم مقام حصان أبي الطيب الحكيم يقول لي اعقل يا مجنون، فيم تفكر وماذا تريد أن تفعل وإلى أين ؟
يقول بشعب بوان حصاني، أعن هذا يسار إلى الطعان ؟
أبوكم آدم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنان!
لكني لا أهم بشئ ولا اعزم على شئ، أراوح في مكاني وكلما سرت عن واحدة المدينتين إلى الأخرى انشدت مع أبي العلاء مستسلما
كلفنا بالعراق ونحن شرخ فلم نلمم به إلا كهولا
وردنا ماء دجلة خير ماء وزرنا أشرف الشجر النخيلا
وزلنا بالغليل وما اشتفينا وغاية كل شئ أن يزولا
كأن جيادنا في الدار أسرى سكوتا لا وجيف ولا صهيلا
حجول قيونها كحجول قين أجاد من الحديد لها كبولا
فما تدري أخلخالا مشوفا يقل الرسغُ أم قيدا ثقيلا
أحب تلك الأبيات للغاية وألمس فيها تلك الروح التي تكابد من معيشتها جهادا، تحاول التأقلم مع فوات المأمول بالتسليم والارتكان من ناحيةٍ لليقين بالزوال الحتمي وما يخلقه ذلك في النفوس من تهوين العظائم فغاية كل شئ أن يزولا يستوي في ذلك درك المأمول أو فواته ومن ناحيةٍ أخرى لفضيلة الشك فيما تبدو عليه الأشياء وأننا في النهاية كالجياد أسيرة مهما بدت حرة، مقيدة ولو بقيود خفية مهما بدا لها انطلاقها وعدوها فكاكا وانطلاقا، كلانا حبيس موضعه من الأرض مهما ابتعد عنها، وكمثلها وهي لا تدري حقيقة تحجيلها أهو زينة لها كالخلخال المجلو يضفي عليها جمالا وبهاء ويمنحها كرامة أم هو قيد ثقيل تنوء به ويكبلها كالحمائم وأطواقها
فآليت ما تدري الحمائم في الضحى أأطواق حسن تلك أم هن أغلال ؟
وهل عقولنا وقلوبنا إلا كتلك الأطواق الزاهية أو الحجول البيضاء ما ندري أزينة هي أم قيود ؟
وهل نحن إلا كالجياد والحمام والعصافير
أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب
عصافير وذبان ودود وأجرأ من مجلحة الذئاب!






