"- عندما رحلت ام كلثوم ماذا حدث ؟
- خف وزن القاهرة ."
كثيرا ما تختزل الأطلال في سياق المكايدة والمغايظة بين محبي السنباطي وعبد الوهاب، يقدمها الاولون على ما عداها ويرونها زبدة ما أنتج الرجل وذروته السامقة التي يتضاءل إلى جوارها كل عمل آخر لسواه ويهضمها الآخرون منزلتها حمية وعصبية.
بعيدا عن هذا وذاك فإن الأطلال لها من صاحبها نصيب ضخم، إبراهيم ناجي، الطبيب الرقيق، المحب الولهان، من كاد يفقد ساقه في ضباب لندن تحت وطأة نقد قاس، وأول صديق لي من بين الشعراء، احببته وتأسيته وتمردت عليه وعلى ما كنت أراه ضعفا وتهالكا في حبه وشعره بأثر من صحبة أبي الطيب وفتوته وثورته الجامحة.
هجرت صاحبي الأول إلا من قطعته الجميلة التي لم أملك يوما إلا الطرب لها واستيداعها حنايا صدري اضن بها على النسيان وأضن بها كذلك على التجاهل فأصر على ذكرها كلما لاح حديث، أعني "القيثارة" أو "أي سر فيك لست أدري" كما غناها عبد الوهاب بصوته الرقيق العذب فكانت أجمل مرثية للرجل في حينها وأمنية أتت بعد فوات الأوان، صاحبتني تلك الابيات في غدوي ورواحي غرا صغيرا يميل على نافذة الأتوبيس لتغرق عيناه وتتوهان في أمواج البشر المتلاحقة غارق قلبه في مواجده ومتوحدة روحه مع اللحن و الكلمات والصوت في ظهيرة تكاد من صفرتها تطغى على النفس كلما استعادتها.
ثم تلاحقت السنون وليس لي من البر بصديقي الأول إلا تلك القصيدة، أصدف عن الأطلال وأعرض عنها رغم ما كان من أمرها القديم معي إذ كانت بوابة أم كلثوم الأولى إلي وفاتحة اهداءها إلى النفس وميثاق صداقة كانت تتهيأ وتتوثق في الافق حينها.
خلقت الوفا كما قال أبو الطيب..
اعقد الصداقات مع الكلمات والبشر والاماكن والساعات كلما فارقت شيئا بكيت من الوجد وعلقت بمقلتي دمعة وبقلبي لذعة فلا ازال على دربي كمن يخزن اللوعات واللذعات واذا ما التام جرح جد بالتذكار جرح كما قال إبراهيم...
عرفتها حينها معرفة من لا يقر ولا يتريث، معرفة عجلى لا تتسمع من الشعر والنغم إلا سطحه الأعلى دون أن تغوص في اعماقه كما أعتاد الأستاذ شاكر أن يقول ولم يكن حظي من الاعجاب إلا اهات أعطني حريتي أطلق يديا... أتوقف عند بحة الاهات وحرقتها وخشوعها واذهل بها عما سواها، ثم هجرتها هجرانا طويلا ثقيلا.
فلما نضجت شيئا ما عدت إليها، عدت للأمس وماضي الذكريات، عدت إليها عودتي إلى أطلال كانت يوما ما بناء موطدا في نفسي ورحت اصغي إليها اصغاء من يقف بآثار الراحلين الاعزة... وادمنت المشي وعهدي به قديم إدمانا مفرطا؛ القم اذني سماعاتها وادع نفسي للحن، احيا مع كل لفظ و أتحسس كل بيت وشطر وانتقال لحني، ابتهج حد الارتفاع عن الأرض مع قطعة كم بنينا من خيال حولنا ومشينا في طريق مقمر واضحك بسذاجة بلهاء كلما غالبت أمواج الفرح وقلت لنفسي في طريق مقفر كما امشي الآن ثم اتناسى تلك الومضة الحزينة الواقعية واثب مع الفرحة فيه.
(هل رأى الحب سكارى، سكارى مثلنا؟
كم بنينا مـن خيـال حولنـا
ومشينا فـي طريـق مقمـر
تثـب الفرحـة فيـه قبلنـا
وضحكنا ضحك طفلين معـاً
وعدونـا فسبقـنـا ظلـنـا
استمع لبهجة المقسوم الراقصة
https://on.soundcloud.com/ZQpV5MC5LXMtYlzU7D )
اسمع الكلمات من جديد وأتأمل ما احتشد به السنباطي من ايقاع ونغم وتنويع فيهما كانما يكاد يمد يديه لقلبك كي يدفق فيه البهجة والحبور.. يبثه في قلبك ونفسك بثا ينتزعك من كل ما سواه ومن كل غم بقسوة شديدة لإنه يعلم بالمآل القريب وانت على علمك جاهل وعلى الفك للنغم وسماعه ما لا يحصى من المرات تنساق في كل مرة غير قادر على المدافعة.
ثم يأتي القدر المقدور يدفع فيه بكمان الحفناوي وتخفت بل تسكت كل ما عداه في التخت...
(اصغ معي للكمان الشجي و للفرحة المغدورة..
https://on.soundcloud.com/RQJqcKrvHnmG8D6zVO )
ينتزعك من فرحك ووثبك ويضعك وجها لوجه امام الحزن صرفا وفوهته الفاغرة... كمان قاتل...يرافقه تلعب من الست بصوتها تلعبا كانما هو تهدج وغرغرة من اثر دمع مكتوم لتفيق معها وتنتبه إلى الطريق المقفر بعد ما انقشعت سحائب غفلة الحب وسكرته
يقظة طاحت بأحلام الكرى.. فتتت تلك الغفلة وبددتها..
تحاول الأشياء كلها من بعد أن تقدم لك الدواء..
تعلم كيف تنسى وتعلم كيف تمحو وتناس العهد والذكريات وهو الحظ شاء وهي الدنيا في نهاية الأمر كما نعرفها وغيرها من سبل التكيف البائسة... التي لا تنفع شيئا في حضرة الاطلال وسطوة الاسى على الراحلين..
تعلل لا ينفع و محاولات واهنة مع شعور عميق بمثل ما قال العربي القديم إذ لامه صديقه عند القبور على البكا فرد
إن الاسى يبعث الاسى فدعني فهذا كله قبر مالك
تستقر الأطلال على رأس قمة بعيدة المنال اجتمع لها ما لم يجتمع لسواها من شعر إبراهيم ورقة روحه ويد رامي المنقحة وصوت أم كلثوم في أواخر حياتها كانما تتهيأ للرحيل وتدع مرثيتها... تبكي وتستبكي كما فعلت الاجيال العربية كلها من ابن خذام وسيد ذلك كله تمرس السنباطي الطويل بالقصائد ومجاراته الفحول ومغالبتهم ثم فوق ذلك كله شفوف روحه وتوحده بالاطلال وصاحبها ينفض شعره ويستحي منه ما يغنيه بنفسه وما يلحنه لسواه حتى كانما أراد أن يحقق أمنية ناجي خير تحقيق بما لا مزيد عليه...
الأطلال من ثم هي عصارة الروح العربية في أصدق تجلياتها وأبرعها، زبدة الروح العربية في بيانها البليغ ونغمها الرقراق وشعرها الغنائي العذب وحزنها الدفين المخامر والذي لا يريم وذكرياتها الغابرة المجيدة في صداحها الأخير.. صدحة البجعة التي تتهيأ لملاقاة الموت وتستعد للرحيل في مدارج الراحلين بالذكرى و البكاء و المحاولات الواهنة للعزاء....





هجرت الأطلال من شهور كثيرة أنا كمان
هجرت الأطلال من شهور كثيرة أنا كمان