(خانقاه سنجر وسلار)
من لمشتاق يميله * ذات سجع ميلت فننا
كلما هاج الهديل به * طربا هاجت له شجنا
أبعدت مرمى يد رجمت * من خراسان به اليمنا
خلست من بين أضلعه * بالنوى قلبا له ضمنا
أبو عبد الله الحسين الدباس
عندي تصور نصف ناضج نصف مرتَجَل بشأن المدن المثيرة والتي نرتبك إزاءها، حينا بالمحبة العميقة وحينا بالكراهية السافرة وأحيانا بمزيج من مشاعر مبهمة، تختلط وتتداخل بحيث يتعذر فهمها، وهو أن هذه المدن قادرة على أن تنتزعك من نفسك لتحدق فيها وتخضع لأسئلتها التي لا تنتهي وسردياتها التي تحاول أن تتسلل بها إليك وتملأك بها، قد تنجح في تجاهل دعواتها الملحة للنظر في تاريخها وتاريخ بُناتها وأبنيتها وشوارعها، لكنك لن تلبث حتى تعود لما تراه منها فتعيد تأويله وتخيله على صورة ما في نفسك!
لا نهاية لمفآجاتها التي ستسكرك من بهجتها أو تحملك على لعنها بأقذع ما يخطر ببالك، سيان!
في النهاية لا معنى للرتابة وأنت تمضي في دروبها وأحشائها.
خطرت الفكرة ببالي حين مررت لأول مرة بخانقاه سنجر وسلار ذات القبتين شبه التوأمين، تقدم بنا التوكتوك نحوها مسرعا، وفجأة وعلى غير انتظار تجلى البناء المهيب في لمحات متتابعة سريعة وعابرة لكنها كذلك سرعان ما وقعت من نفسي موقعا مميزا، وستصبح اطلالتها البهية لاحقا مهوى فؤادي كلما مررت هناك أو وقعت إلي صورة قديمة لها.
لم يكن من الصعب معرفة شئ بل أشياء عن صاحبيها وتاريخهم، لكني يومها شُغلت قبل كل شئ بهذه القبة الثنائية ( هذا في جانب منه بعض مفاجآت المدينة وعمائرها المدهشة ففي النهاية لا تجد عمارة أخروية (مسجدا، مدرسة دينية، خانقاه، بيعة، كنيسة….) يتجلى فيها ذلك الملمح الإنساني الباهر كل يوم) ورحت أفكر فيهما طويلا.. أهي الصداقة ؟ الحب ؟ الوفاء ؟ مواجهة الزمن معا ؟
أقف حائرا أمام البناء الفذ وأشعر بدفء عميق منبعث منه، رغم ماعليه من حالة رثة وما يبدو داخله من ظلام وخراب، أنسج الخيالات حوله وأفكر فيما دفع صاحبه أو صاحبته نحو انشاءه وما خامر نفوسهم وغمر قلوبهم حتى تجلى في العمارة الماثلة امامنا، قبتان متآخيتان تحت السماء الفسيحة وفي ظلال المأذنة العالية، قنعت في البداية بتصوري عن صداقة متينة ومحبة أكيدة ساورها الموت الغادر فلجأ المنشئ إلى العمارة الدينية يستظل بها ويعمر بها ذكرهما ويترك كذلك عليها أثر محبته باقية ببقاء التسابيح والتهاليل ودوي الخلاوي العامرة بالعبادة. ثم رحت أفتش في التاريخ فوجدت أشياء مثيرة لكنها كلها كانت أقل إثارة من تلك الهيئة المهيبة التي أطلت بها القبتان التوأمان على نفسي ساعة رأيتها أول مرة.
تطلق المدينة العنان لخيالك دون أن تحصرك بين دفتي التاريخ.
(وقد كان الأمير علم الدين سنجر الجاولي على عادة المماليك في تركيب شخصياتهم وتعقيدها وفصاميتها احيانا.
حكى المقريزي عنه فقال
(توجه لحصار الناصر أحمد بن محمد بن قلاون وهو ممتنع في الكرك، فأشرف عليه في بعض الأيام الناصر أحمد من قلعة الكرك وسبه، فقال له الجاوليّ: نعم أنا شيخ نحس، ولكن الساعة ترى حالك مع الشيخ النحس، ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه ورمى به فلم يخطئ القلعة وهدم منها جانبا، وطلع بالعسكر وأمسك أحمد وذبحه صبرا. وبعث برأسه إلى الصالح إسماعيل، وعاد إلى مصر فلم يزل على حاله إلى أن مات في منزله بالكبش يوم الخميس تاسع رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ودفن بمدرسته، وكانت جنازته حافلة إلى الغاية.)
ثم يقول
(قد سمع الحديث وروى وصنف شرحا كبيرا على مسند الشافعيّ رحمه الله، وأفتى في آخر عمره على مذهب الشافعيّ، وكتب خطه على فتاوى عديدة، وكان خبيرا بالأمور، عارفا بسياسة الملك، كفوا لما وليه من النيابات وغيرها، لا يزال يذكر أصحابه في غيبتهم عنه ويكرمهم إذا حضروا عنده، وانتفع به جماعة من الكتاب والعلماء والأكابر، وله من الآثار الجميلة الفاضلة جامع بمدينة غزة في غاية الحسن، وله بها أيضا حمّام مليح، ومدرسة للفقهاء الشافعية، وخان للسبيل، وهو الذي مدّن غزة وبنى بها أيضا مارستانا، ووقف عليه عن الملك الناصر أوقافا جليلة.. وسائر عمائره ظريفة أنيقة محكمة متقنة مليحة، وكان ينتمي إلى الأمير سلار ويجل ذكره))
هذا بعض ما تعد به العابر بها أول مرة وما إن يرشف من كأسها شيئا حتى ينطلق في نواحيها كالمتيم يبحث عن المزيد، كذلك هو حالي دوما معها، أنطلق في الشوارع وينطلق خيالي مع كل تفصيلة فيها؛ مع الكتابات الباهتة والخطوط المتآكلة على واجهات الجوامع والخانقاوات والأسبلة ومداخلها العتيقة.
(عز لمولانا السلطان الملك..نقش عنيد فتأمل! )
تلاحق عيني الآيات المختلفة وشعارات (رنوك) الأمراء وألقاب السلاطين الحائلة وما يكتنف ذلك كله من غموض. أسير بين البوابات الضخمة وألاحظ أحيانا تلك الألقاب المفرطة الطول والغرابة والتي حرص السلاطين والأمراء على إثباتها بكامل زينتها وأبهتها منقوشة على الحجر في محاولة لمراوغة الدهر العنيد ولكن فيما يبدو فإن الزمن وتصاريفه لا يعبأ بذلك كله كثيرا.
(الملكي الناصري مربي العلماء مقوي الضعفاء باني المساجد والمدارس… من طراز مدخل مسجد ومدرسة الأمير صرغتمش)
ينجذب خاطري لما يعرض من المدائح الرديئة المحشوة بالمبالغات والآيات الضارعة والدعوات المتواترة والنيات المعلنة، كل ذلك محفورا بدأب وصبر على جدران شاهقة في محاولة حثيثة لمغالبة تيار الزمن العاتي، تنجح بعض الإشارات في النجاة ويعبث الزمن ببعضها الآخر عبثه الأثير ولذلك تحديدا وقع خاص في نفسي أقف ازاءه حائرا مبهورا لا أكاد أبين.
(بوابة قايتباي محلاة برنكه أطاحت الأيام بشطره الأعلى وذهبت باسمه وتركت عز نصره وفقط.. كل شئ هالك إلا وجهه.. وقد كانت عتبة المدينة للقرافة في زمن ما..)
أتلبث عادة أمام الخانقاوات أتملاها ويسرح خاطري مع خلاوي المتصوفة المنقطعين وأتخيل همهمات الذكر الرتيبة تنبعث بها الحناجر الضارعة وشيوخ العجم مخبتون عاكفون على ترديد تسابيحهم بأنغام مألوفة ولغة سحرية لا تزال أثارة منها هائمة على المداخل العتيقة، تعمل عملها في تهيئة النفوس للدخول على تلك العوالم الغامضة.
تثب لخاطري ذكريات نجيب محفوظ الشفيفة في حكايات حارتنا :
"أنظر ناحية التكية. هناك تحت شجرة التوت الوسيطة يقف رجل. درويش ولكنه ليس كالدراويش الذين رأيت من قبلُ. طاعِن في الكِبَر، مديد في الطول، وجهه بحيرة من نور مُشعٍّ. عباءته خضراء وعمامته الطويلة بيضاء، وفخامته فوق كلِّ تصوُّر وخيال. ومن شدة حملقتي فيه أثمل بنوره، فيملأ منظره الكون، وخاطر طيب يقول لي إنه صاحب المكان وولي الأمر، وإنه ودود بخلاف الآخَرين. أقترب من السور ثم أقول بابتهال: إني أحب التوت.
فلم ينبس ولم يتحرك، فأتوهَّم أنه لم يسمعني، أكرِّر بصوت أعمق: إني أحب التوت!
يُخيَّل إليَّ أنه يشملني بنظرة، وصوته الرخيم يقول: «بلبلي خون دلي خورد وكلي حاصل كرد.»"
وبيت حافظ الشيرازي
" بلبلي خون دلي خورد وكلي حاصل كرد// استنزف البلبل دماء قلبه فحصل على وردة! "
أرق لتلك التأملات والذكريات الشجية، لكني أجد نفسي مسوقا رغما عني للتفكير في البلبل ورفيقته التي لا تفارقه أبدا الوردة. البلبل المشوق دوما، الطامع في وصال لا يكاد يتحقق، الآمل في عطف الجمال الباهر ممثلا في الوردة البارعة الحسن والسريعة الأفول، الرقيقة والقاسية، المحبوبة والخطيرة أيضا!
البلبل والوردة، الأسطورة القديمة قدم حدائق فارس، حيث نطق البلبل البهلوية أو الفارسية القديمة قبل أن ينطق الفردوسي بشاهنامته كما يقول جوزيف فان هامر. مغرقة في الخصوصية ومشتركة بين الثقافات جميعا كذلك.
الشاعر اللاهوري يقول
لن تسمع غناء البلبل إلا وتخايلك رائحة الوردة
أما الشاعر الألماني فيقول
غير ممكنة هي الوردة أبدا
وغير مفهوم هو البلبل!
أما حافظ فيسأل بحرقة :
أيتها الوردة القانية، أأنت قلب البلبل الباكي ؟
تتلاحق الصور بخاطري، أتذكر ساعات الأرق الطويل في ليالي الغربة الأولى وكيف استغرقني التوحد مع ذلك البلبل المسكين، أساءل نفسي مع الشاعر التركي :
"أغريبا نزل هنا ..أنت ؟
آه ..لماذا تبكي أيها البلبل ؟
هل ضللت طريقك منهك القوى ..
آه ..لماذا تبكي أيها البلبل ..؟
هل تخطيت جبالا عالية ..
هل مررت في طيرانك بالأنهار منخفضا ..
هل عانيت من انفصالك عن حبيب ..
آه ..لماذا تبكي أيها البلبل ؟ "
ألاحق بعين خيالي الأحبة الذاهبين وأرسل روحي وراء الأصدقاء الغائبين وأستعيد لحظات الوصل القصيرة قصر عمر الوردة التي لا تتفتح وتنشق عنها بتلاتها فيسعد البلبل بوصالها حتى تذبل وتزول نضرتها.
أغني مع نسيمي :
آه يا وردتي، تفتحي
لا تدعي البلبل غارقا في نحيبه
كم يبكي و يعول كالمجنون
آه يا قلبي المسكين، كم تبكي لأجل وردتك! (2)
استمع معي للاغنية
أصغي للغنوة الرقيقة وألمس في أناتها المتهادية أشياء أعجز عن القبض عليها، تتفلت كما تتفلت الرمال من بين أصابعي، حنينا ما تضيق عنه اللغة، شئ لا أجده في نسخة اوسكار ويلد المثيرة من الحدوتة لكني أجده عند مير تقي مير الشاعر الأردي
افتح عين فهمك لتدرك قصة البلبل والوردة
إن سيرك في بستان الورد ليس عيثا
الوردة، أيها الغافل، هي ذكرى الأحبة
أما طير البستان فهو مَثَل أولئك الذين لا لسان لهم!
أقول لنفسي بالضبط، نحن الذين لا لسان لهم رغم كل تملك لناصية اللغة، ثم شئ عصي على الإمساك، شئ يغنيه البلبل لا نملك إلا أن نغنيه معه، ربما هو في النهاية كما يقول متصوفة العجم كما تروي عنهم السيدة الرقيقة آنماري شيمل : شوق الروح إلى خالقها!
وكما تروي في محاضرتها عن عجائب المخلوقات :
“البلبل أفضل رمز للروح تجسيد للشوق والحب الخالد. ولا تخلو قصيدة حب في الشعر الفارسي أو الشعر التركي من الجمع بين “الوردة” (الحب الخالد) و”البلبل”، ومما ساعد على الجمع بين اقتران الوردة والبلبل تشابه الإيقاع الصوتي للفظين ) في التركية جُل (وردة) - وبُلبل)
وهل يمكن للمرء أن يصف ما للوردة من جمال وضاء؟ يعتقد جلال الدين الرومي أن ذلك ضرب من المستحيل، الجمال الإلهي أمر يعجز عنه الوصف. لذلك علينا أن نقنع بوصف الشوق الأبدي الذي يعبر عنه البلبل:
بالله عليك لا تتحدث عن الوردة
يكفيك الحديث عن البلبل الذي يشكو النأي عن الوردة”
أما نسخة شوقي وعبد الوهاب فتظل من بين أقربها لقلبي(١) يعيد شوقي كتابة الحكاية بكل رقة وسلاسة متحررا من قيود اللغة في عبارات حادة نافذة سريعة التأثير
"فنن يحطه ... وفنن يشيل
وجناح يقوم به ... وجناح يميل
فى إيد الليل ... يلعب به
ورّاه الويل ... يا قلبُه
مجروح من ساقه ومن طوقه
ما دري بالشوك من شوقه
من دوح لدوح سهر ونوح
يا ليل ده طير بدن وروح"
ينفذ الصوت بكل ما فيه من رنة وطرب وشجى حزين ويخترقني كما تخترق الشوكة صدر البلبل المسكين ليفيض دم قلبه ويمنح الوردة صبغتها القانية التي ليس بوسع شئ أن يمنحها سوى دماء القلب الصادق.
" قال له يا سوسن يا تمر حنه
يا ورد أحسن من ورد جنة
مين بالفرح لوّنك
ومن الشفق كوّنك
يا ريحة الحبايب يا خد الملاح
لشوكة جمالك وضعت السلاح..
يا ورد فوق لا الجناح ... يرضى ولا الجرح يرقى
تشوفني وقت الصباح ... جسد على الارض ملقى
أموت شهيد الجراح ... ويعيش جمالك ويبقى”
(1) هاهنا تحليل عمار الشريعي اللطيف للأغنية
(2) وهاهنا مقالة لطيفة عن قصيدة نسيمي والأغنية كذلك بالالبانية!









