(من إلقاء أستاذنا المميز للشعر
تخيرت من نعمان عود أراكة، لهند، فمن ذا يبلغه هندا
خليلي! عوجا بارك الله فيكما، وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها، ليس الضلال أجارنا، ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا!
وقد كانت أول ما سمعت من إلقاءه الجميل..)
لو قيل لي كيف يمكنك أن تصف اثر شاكر فيك فإني عادة ما أتلعثم وأتراجع عن الإجابة.
أخشى مقاربتها وادع للصمت أن يبين عما تعجز عنه الكلمات، أتذكر في هذا المقام سؤالا لطالما حيرني ولطالما بحثت عن شفاءه في كل ما وقعت عليه يدي وامتد إليه بصري وذلك هو كيف كان أثر الرافعي في شاكر؟
لطالما تساءلت عن نزارة ما كتب عنه وقلة ما انتهى إلينا مما يصف تلك العلاقة العميقة للغاية والنادرة المثال في كل تفاصيلها وهو أمر يمكن استشفافه بوضوح في تلك الاثار المتناثرة هاهنا وهناك بين الصفحات.
صداقة و أبوة واقتداء وتأثر وتلق وتعلم ومراسلة...
(تأمل معي تلك الزفرات الحارة بعد ثلاث سنوات من وفاة الرافعي وفي ذكراه
"أين أنت أيها الحبيب ؟ كنت أخي وصديقى ومن أستودعه سر قلبي المعذب في تنور الحياة الموحشة التي يضطرم جوها بالصمت المتوهج والوحدة المستعرة ... كنت أخي وصديقي ، وأنا أبيد كما تبيد الأيام والليالي في كهوف الحياة الدنيا.. كنت أخي وصديقي ، وعواطفى تزأر وتجأر في باطني كأنها وحش جريح متألم ثائر لا يرى من جرحه لينتقم ... فالآن وقد جددت الدنيا أساليب تعذيبي عذابًا ضعفًا من الآلام .... الآن وقد أوجدتني الحياة ما أريده ، ثم وضعت بيني وبينه سدًّا يصف ما وراءه من أشواقى ويقف دوني فلا أنفذ منه... الآن وأنا أشتعل وأتفاني من جميع نواحى.. الآن وأنا أتوثب في قيود مرخاة تمنحنى الحركة وتمنعنى دون الغاية.. الآن وأنا أمزق جو حياتي بزئيري وأنيابي ومخالبي ، وأحرقه بوجدي ولوعتي واشتياقي ...الآن أين أنت أيها الحبيب ؟ يا أخي وصديقي ؟")
ووراء كل ذلك حب جارف يتخطى حجب الواقع والمشهود إلى ما وراءه... إلى الغيب المستور.. والتعلق القلبي الذي يشير ويدل حيث ينقطع الخبر وتعيي الإشارة والحديث.. كيف لم يتمخض ذلك الأثر الضخم في النهاية سوى عن بضع مقالات إنتهت بنهاية الثلاثينات واوائل الأربعينات ثم انصرم بعد ذلك نصف قرن كامل لم يكتب فيه الصديق شيئا عن صديقه.. والمحب عن حبيبه.. كتب أحد تلامذته يوما في ذيل مقالة ما أن اثر الرافعي في شاكر كان من العمق بحيث لم يعرف سبيلا للابانة عنه وهو صاحب اللسان المبين والتملك التام لناصية العربية وأسباب البيان...
ترك الاستاذ في النفس اثرا عميقا للغاية قد امتزج بها حتى تخللت كتاباته، وما استتر في ثناياها وفاض منها من روحه وسجاياه، خلجات الفؤاد، اثرا امتد لملاحقة كل حرف خطه قلمه أو خطه قلم عنه.. كيف يمكن لإنسان الحديث عن رجل خط حياة وشكل رؤية وفتح أبوابا ودل على دروب ومسالك سحرية بقدر ما هي فاتنة وخلابة.. و مألوفة!
دروب رغم تعاقب السائرين فيها كان وحده القادر على الدلالة عنها.. فعل ذلك بحب يندر أن يجد الإنسان له مثيلا وبعد حين يدرك المرء أن ذلك الجمال الكامن في الأشياء والذي كشفت عنه كتابته ربما لن يراه المرء أبدا من دون تلك العين... ومن هنا يكون الاحتفاء بكل حرف كتبه ويشتد إذا كان عن شئ مما أحب ونذر له عمره... الشعر العربي القديم.. والقرآن..
رسمت حياته بتفاصيلها الدقيقة صورة من أجمل صور الشعر.. وافتنها.. وارقها.. هل تعرف تلك الأحاديث المتداولة عن علماء الغرب وعكوفهم في مختبراتهم على أنواع البحوث المختلفة وانقطاعهم من الدنيا واقبالهم بكل نفوسهم على تلك البحوث؟
كذلك كان الاستاذ رحمه الله.. صاحب الشعراء في بواديهم وانصت إلى اشعارهم واحاديثهم.. خالطهم في افراحهم وأحزانهم.. تمهل في الانصات لانين محبيهم وشكاواهم، ركب مع فرسانهم في غارات الصباح وشهد اسمار الليل وتعريس أخره وحلقهم حول النيران يستدفئون بها، تدسس لطوايا نفوسهم قدر ما استطاع، ركب إلى ذلك متن اللغة ثم تحرى البلاد و مواقعها بل وتتبع الوان النباتات في تلك البوادي يعرف منها ما نبت وكيف ينبت وفي اى الازمنة نبت وفيم استخدموه من بعد..عرف قدر الخيول والابل عند أصحابها وطبائعهم في معاملتها وما صح عنهم وما زور عليهم ولم يكن من شيمهم..
كيف يمكن الحديث عن رجل ضرب مثلا في الاخلاص لشئ قلما ينتفع منه الإنسان في دنياه أو معاشه أو يدر عليه رزقا ومالا.. الاخلاص التام.. الاخلاص الذي يشبه ولع المجنون بليلاه بل هو يفوقه لا شك.
فانظر معي كيف يتحدث عن شعراء الجاهلية
"فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشعر أحياءً يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادى على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون .. كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس، وبحة المستكين وزفرة الواجد، وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأنى لم أفقدهم طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا شيء مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حيا على هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم: جزيرة العرب"
(لمحة من وفاءه لأخيه الشيخ أحمد شاكر وقد رثاه رثاء شجيا في مطلع الجزء الرابع عشر من تفسير الطبري فكتب
" وبعد ، فقد أبليت شبابى وصَدْرًا من كهولي ، وأخي يومئذ ركن من العلم باذخ ، آوى إليه إذ حزبني أمر ، أو ضَاقَ عَلَى مَسْلَكَ فأصبحت فإذا الركن قد ساخ ، وإذا أنا قد أفردت إفراد الساري في فلاة بغير دليل . كان نُورًا يُضيء الطريق ، فلما طفي ، أصبحت في ظلماء ينهاني سوادها أن أسير. وكنت أعمل في هذا التفسير وحدى بعيدا عنه ، هكذا كان . لم يكن يشاركني في قراءة نصه ، ولا في كشف مبهمه ، ولا في تقويم ما اعوج من نهجه ، ولا في تخريج ما توليته من رواية حديثه وقضيت دهرًا وأنا أظن أن الأمر كله ثمرة جهدي وعلمى !! فلما قبض الله إليه عبده الصالح رحمة الله عليه ، وبقيت أيضاً أعمل وحدى بعيدا عنه أى بعد !! فعندئذٍ وجَدْتُ مَسَّ الحَقِّ فِي فَقَدِه ، وإذا هو كان يكون معي وإن خِلْتُه بعيدًا ، وكان يكون معينى وإن لم أَسْتَعِنْه، وكان يكون نور طريقي، وإن خلت الطريق مُضيئًا من ذات نَفْسِهِ ! فأَيُّ هَدي طمس عني بفقدك ! وأي دليل نأى عنى برحيلك ! وأى نور غار عني بغيابك ! وأَى حُزْنٍ بَقِي لي بِفَنائِك ! فيا أبن أبي وأمي :
لَوْ كَانَ يُنجِي من الرَّدَى حَذَرُ تَجاكَ ما أصابَكَ الحَذَرُ
يَرْحَمُكَ اللهُ مِنْ أَخِي ثِقَةٍ لَمْ يَكُ فِي صَفْوِ وُدِّهِ كَدَرُ
فَهَكَذَا يَذْهَبُ الزَّمَانُ ، وَيَفْنَى العِلْمُ فِيهِ ، وَيَدْرُسُ الأَثَرُ”
بل انظر كيف يكتب عن تلقي الشعر وانشاده وكيف ينبغي أن يصغي السامع إلى وقع الابيات في تطامن وتنبه ويقظة لتشرق أنوار المعاني والوان الشعور بروحه ونفسه
" وأنت محتاج حين تسمع (لغة الصوت) أن تكون يقظ النفس حي الإحساس، نفاذاً إلى المعاني المتلفعة بالغموض، حسن التيقظ للنبرات التي تدل على ضمير اللفظ، سريع الخاطر في إدراك هذا الموج المتلاحق من الحركات المختلفة. فإذا كان الذي تسمعه كلاما يتلى أو ينشد كالشعر مثلا، وكان الذي ينشده قد عاش ساعة في معانيه حتى تلبس بها ونطق لسانه معبراً عن لسانها وعن لسان قائلها الأول - كان عليك أن تكون ليناً طيعاً سريع التبدل جرئ النفس في غمرات العواطف، حتى يتاح أن تعيش أنت نفسك في هذه المعاني ساعة تتلى عليك. وعندئذ تغشاك غمرة لذيذة تدب في غضون نفسك، فتحس كأنك تبعث بعثاً جديداً في حياة جديدة حافلة بالصور التي قلما يدركها العقل إلا مشوهة مشيأةً متخالفة التركيب، فلا يزال يجهد في تلفيق أجزائها حتى لا يبقى من أصولها الحية الصريحة الصادقة شيء البتة. فإن استطعت يوماً أن تجد في نفسك انك مستطيع أن تكون على هذه الصفة، فقد فهمت الشعر ونفذت إلى أغواره، وإن عجزت عن بيان ما فيه."
لم يكتب أحد، فيمن وقع عليه بصري، بمثل تلك الروح والتدفق والحب الذي كتب به الاستاذ عن الشعر القديم.. قد يكون هناك من هو اعدل حكما.. أكثر موضوعية.. أقل اندفاعا وحدة.. أكثر انضباطا.. لكن لن تجد أكثر منه رقة وهياما بذلك الشعر القديم.. ذو الرمة.. أبو الطيب.. الشريف الرضي.. أبو العلاء.. الجاهليون جميعا.. كل أولئك كانوا خلانه واصدقائه الاقربين.. ولهذا تحديدا سيكون حديثه عنهم مختلفًا عن كل حديث.. هو حديث الصاحب عن صاحبه.. والخل عن خليله...
حديثه عنهم هو حديث من نذر نفسه لينصت لذلك الدبيب الخفي الهامس المتحدر عبر قرون طوال.. يصغي له ويبذل وسعه في فهمه لما رأى من صدق أصحابه.. صدق شعورهم ونبله واحساسهم العميق بالحياة ومعانيها وتضمينهم في ثنايا اشعارهم خطرات نفوس هي هي التي يحس بها كل ادمي درج على هذه الارض وتنفس نسيمها..
خضم هائل من الشعور الإنساني الاصيل في شتى الوان الحياة.. حتى ليسع القارئ المتنبه أن يجد عزاءه وسلواه وحسن البيان عما يختلج بصدره في كلمات اعرابي هائم في فيافي نجد أو قفار تهامة، اشعار قوم خرجوا بها عن ضيق حدود جزيرتهم واتسعت باتساع صحراءهم وسماءهم التي اظلتهم.. كانما تدسسوا لكل طوية نفس أو خطرة فكر ثم اودعوه لفظا جزلا محكما نافذا في غير إسهاب ولا افتعال..
(من اهداءات الأستاذ الرقيقة)
ثم هم بعد ذلك بلغوا من انغماسهم في الحياة وتفاعلهم معها أن استنطقوا الحجر والشجر واستأنسوا بالجبال والتلال وصاحبوا سائر الحيوان من حولهم.. عطفوا عليه و اجروا على لسانه القول لو كان متكلما.. ذئاب وحمام وخيول وابل ونحل وكلاب وثيران وحشية وغزلان وظباء وقطا وصقر وحدأة وعصفور وكل ما امتدت له عيونهم.. كل ذلك أنصت له شاكر بحب واناة واستبصره في أجلى صوره فعكف عليه غير عابئ بدهر يتصرم أو حياة تقضى.. حتى لقال يوما إن وظيفتي هي قراءة الشعر في بيتي! ولا يخالط هذا القول ذرة ادعاء أو تصنع.
بل كان رحمه الله مثالا عزيزا على الوفاء لفكرة والاخلاص لها إخلاصا قلما يبلغه الناس وأي دليل يرتجى على ذلك اصدق من كلماته وكتاباته ومواقفه التي حفلت في بعض الأحيان بكيخوتية نادرة! مثل ذلك الذي يروى عنه في أول حياته لما نهض ليرد على أستاذه الدكتور طه حسين في مدرجات الكلية ما ارتاه من تلفيقه وادعاءه وبعيدا عن صحة الدعوى من عدمها فقد أصر على ذلك حتى غادر الجامعة تماما بأثر من تلك الحادثة ثم يقول في التعقيب على ذلك أن بنيان الجامعة في نفسي قد تهدم فلا معنى للبقاء في أطلاله!
هذا حس شاعري فريد.. لا يمكن للمرء إلا أن يتساءل كيف كان بنيان الجامعة في نفس ذلك الشاب الغض في مقتبل حياته وكيف تهيا في نفسه ذلك البنيان واستقام من قبل ولوجها بل كيف كان من القوة والتغلغل في نفسه بحيث لا تطيق من بعد البقاء في اطلاله كما راها بل كيف رأها اطلالا بأثر ذلك الحادث وأي شئ انطوت عليه نفسه حتى يضرب عن كل ذلك صفحا ويهجر الجامعة ويعكف على شعرائه ولغتهم وفنونهم الساحرة وبيانهم العذب ومشاعرهم المختزنة طي الكلمات..
بل كيف تحول من عنايته بالشعر واستكناه ما استودعت الفاظه من صفات قائليه وشعورهم وحيواتهم إلى تتبع ضروب البيان المختلفة وصنوف المشاعر وسمات الشخوص وملامحهم في كل ما كتبوه على اختلاف كتابتهم وما خلفوه فانطلق يعدو لاهثا وراء المفسرين و المحدثين والفقهاء والنسابين والفلاسفة و الحكماء والمتطببين وعلماء النبات والحيوان في تلك الازمنة القديمة يتحسس الفاظهم ويستنبئها عن ضمائر أصحابها وأسرار نفوسهم. قد أعد لذلك عدة ضخمة من الأناة والصبر والبصر باللغة وطبائع النفوس. حتى لتجد في كتاباته كلها أسبابا من التوريخ النفسي و الاجتماعي لكل من يرد ذكره في طيات حديثه من بني البشر.. يتمثل في ذلك كله قول الله تعالى خلق الإنسان علمه البيان.. هذا الشئ الذي قدمه الله على سائر ما عداه إذ ذكر خلق الإنسان... هذا البيان الذي كان من غريب إخلاصه له أن هب للدفاع عن ارستوفانس لما رأى تهجم لويس عوض وعبثه بكتابته ومسرحياته و اقتحامه منها ما لا يحسن.. هذا البيان الشريف الذي ميز الله به الإنسان أيما إنسان كان عنده بمنزلة عالية استوجبت منه تلك النفرة والغيظ على كائن يطا الكلمات بحوافره الغليظة أو كما قال في الأباطيل.
وهذا الولع بالبيان الإنساني سيكون أيضا رائده في النظر لكتاب الله يبحث فيه عن البيان الالهي وكيف يصطبغ البيان البشري بسيما قائليه حتى لتتبدى من ثناياه طباعهم فكيف هو اذن البيان الالهي وكيف تبدى الله في بيانه وكيف يسع امرؤ في زماننا أن يدرك ذلك الفرق الضخم الذي أدركه اسلافنا الاوائل لما سمعوا الذكر فاقبلوا على الإسلام لا يحجزهم عنه شئ بل لما سمعه الجن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا.. كيف يمكن تمهيد نهج واضح لذلك التمييز.. والتذوق.. كيف تراكم الغبار عبر القرون على هذا النهج حتى انطمس في النفوس وزال كل اقتدار عليه.. ما تلك الخلافات والجدالات التي صرفت عن إقرار هذا النهج وما الحوادث التي تتابعت على هذه الأمة حتى بعدت بها عن ذلك التذوق الفطري بل حتى عن إقامة منائر واضحة تعين كل من يحاوله..
ورغم كل ما يمكن أن يقال عن دوره الأدبي وذياده عن العربية والاسلام يظل هناك الكثير مما يمكن أن يتأسى به في جوانب الحياة عامة دون تخصيص ممن لم يسع مسعاه فمن ذلك حرصه الحثيث في كل ما كتب وتناول على تثوير النفوس أن تركن لأغلال الالف المعمية حاثا على ملاحظة غير المالوف في المألوف اليومي.. دون أن تسقط العين في فخاخ الرتابة والتكرار وحجاب الألفة الثخين والذي يمنع العقل والقلب من تبصر ما تمور به الحياة في جميع اشكالها بسيطة ومعقدة من أسباب الجمال والجلال والدقة والروعة مفزعة ومبهرة كما يحتمل اللفظ العربي، وكذلك تحري الدقة الغالبة والإنصاف من النفس وأخذ الأمور بجدية تليق بها و بالأمانة المتحملة.
هذه التعاليم التي تجد أجلى مظاهرها واجملها حقا في تلك التفاصيل الحية النابضة التي أعاد بها احياء قصيدة جاهلية قديمة قد تراكم عليها غبار القرون الطويلة وحال دونها سدود بعد سدود من الالفاظ المستوحشة والمعاني الغامضة والحيوات المكتنفة بالضباب ولا رؤية بدون تفاصيل كما قيل ولا تعاطف بدون معرفة وفهم واستيعاب.. ثم بالتقاط الخيط من هنا يمكن أن يقال أن هذا التبصر بالمبهر في المالوف أو القديم انما هو نتاج اعوام طويلة وجهد شاق في ارهاف ذلك البصر وتهيئته بحيث يمكن أن يدرك النظام في الفوضى والوحدة وراء الاشكال المختلفة.
(من أبيات البحتري بخط الأستاذ الجميل)






