في مواجهة الحياة.. فلتجحظ عيناك
عن الروح التي تعودت الفكرة والقلب الذي لم يمل ملاحقة العبرة
“وأنا أزعم أن الناس يحتاجون بديا إلى طبيعة ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف، وأول ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألا يعطى نفسه فوق حقها، وألا يضعها دون مكانها، وأن يتحفظ من شيئين؛ فإن نجاته لا تتم إلا بالتحفظ منهما: أحدهما تهمة الإلف، والآخر تهمة السابق إلى القلب.
فافهم، فإن الأديب الفهم ، لا يعوّد قلبه الاسترسال. وخذ نفسك بالفكرة، وقلبك بالعبرة.”
(الصور التالية من المخطوطة الجميلة لكتاب الحيوان المحفوظة بمكتبة الامبروزيانا في ميلانو)
(1)
قبل أن نبدأ الرحلة وباختصار قدر الإمكان!
أبو عثمان ممكن الواحد يقول عنه وهو مستريح إنه كان راجل رايق.. و دماغه نضيفة ومتكلفة..
وقبل كل دول عنده فضول علمي مالوش حد..الشئ إللي خلاه يتمدد زي الاخطبوط في مساحات قل إنها تجتمع لغيره..
وده يبان بشدة في كتاب الحيوان لإنه وعلى حد علمي كان آخر ما كتب وكان ساعتها شيخ في التمانين على ما أظن ومصاب بالفالج ومع ذلك ماشي في الكتاب كما لو كان باحث ابن عشرين.. عنده ما يقوله عن الادب و قضاياه وعن اللغة والاشعار والترجمة والمذاهب والفرق والحياة الاجتماعية وعادات أهل البصرة والكوفة والعامة والخاصة والسوقة والملوك وكل ده وهو أصلا بيتكلم عن أجناس الحيوان وما ورد في الشعر عنها وكمان ما ترجم وعصارة تجاربه الشخصية و محاولاته الدائبة للتحقق من المقولات السائدة والشائعة عن الحيوان..
يعني يسمع مثلا إن النعام يقدر يبلع الجمر.. يروح ويجرب …يسمع حاجات عن تزواج الحمام وعن الكلاب وعن الاسماك فيحاول يعرف صدق ده كله من كدبه ويروح للنواتية والملاحين ومربي الحمام واصحاب الكلاب ويسأل ويستفسر..
وفي نفس الوقت هو بيخاطب قارئ كتبه وبيحرص عليه ومش عاوزه يزهق ولا يمل
وعارف والله إن كتابي طويل وانك مش فاضي وفي حاجات أهم فاستنى كده اقولك كام حكاية دمها خفيف أو مثلا سيبك من الجد شويه وتعالى نهزر ونتكلم كلام فارغ وفي نفس الوقت هو عارف إزاي يتكلم بالصيغة دي وعارف ما يصلح لها وما لا يصلح وإزاي تكون رواية النكتة وإزاي إن روايتها قد تخرجها من إنها مضحكة لحاجة بايخة ودمها تقيل
ولغته مع كده لغة سلسة جدا بيضرب بيها المثل في الترسل والخلو من السجع المتكلف أو الصناعات اللفظية ويمكن ده مش باين اوي في البيان عشان احتشاده فيه بالنقولات بس هو اظهر ما يكون في الحيوان..
وملاحظاته في الامور العابرة حتى ملاحظات ذكية جدا يعني مثلا كلامه عن وضع الكتب وتاليفها وإزاي ناس بتتعمد الالغاز والتقعر لأسباب كتير منها سبب لطيف زي إنها تكسب من سؤال الناس ليها توضيح الغامض فيكتب كتب تانية وهكذا...
بس للأسف كتير من أنواع الحيوان إللي بيذكرها بنعجز عن ربطها بالمشهود حوالينا بإختلاف الأسماء وكمان البيئة بس في دكتور عظيم للغاية في أول القرن إللي فات الف كتاب سماه معجم الحيوان وربط الأسماء القديمة الحيوان في الكتب العربية بأسمائها دلوقتي وكمان أسمائها العلمية.. حاجة فعلا تستحق الاختفاء بيها و الوقوف عندها طويلا..
اثر الجاحظ فيمن بعده سواء بالتأسي أو المعارضة ضخم للغاية ويستاهل استفاضة في الكتابة عنه وبالاخص كتابه الحيوان.. واظن قراءته و التعليق عليه مع المعرفة الطبية و البيولوجية حتكون اشد امتاعا.. ليه وجهات نظر وتعليقات مثيرة جدا.. حاجة مثلا زي موضوع مرض الكلب وأسبابه إللي هو حاول يوضحها والاعراض المسجلة ومحاولة الربط بين الاعراض دي في ضوء المعرفة إللي كنت متاحة في وقتهم بس يمكن إللي يخليه مميز عن سواه هو إنه مش بيكتفي بالنقل عن سواه أو عاكف مثلا على دفتره وكتابته ولكن كان صاحب مغامرات وتجارب ولف ودوران.. وساعده على كده إنه زي ما بيقولوا ارتقى السلم الاجتماعي فشاف كل حاجة من قاع المجتمع إلى عليته وخالطهم وسجل ما اثر عنهم من جدالات ونقاشات وحتى النكت والطرايف بتاعتهم..
(2)
تشعر في اثناء القراءة للجاحظ ولاسيما في كتاب الحيوان باهتمامه الكبير بقارئه وأن لديه الكثير ليقوله ومن ثم فهو بحاجة لتألف هذا القارئ كي يفسح له صدره ويوليه سمعه.
وهو يعلم من نفسه سعة اهتماماته وكثرتها وتشعبها ويقدر أن في ذلك التألف نوعا من التخفيف والمراوحة التي تيسر عبء المطالعة، لكنه وعلى علو سنه حين وضع هذا الكتاب لما يعلم من طريقة تأليفه وأنه حشد فيه الكثير من المعارف التي ربما ضاق صدر القارئ بها لا لشئ إلا لمفارقتها للمألوف من أنماط التأليف وللغاية التي يتوسمها منه فإنه يبادر في مطلعه إلى الإشارة لتعدد فروع المعارف/الصنائع وتكاملها فيما بينها على اختلافها وأنه ليس فرع من فروع العلم/الصناعة في ذاته مما يرفع أو يضع صاحبه والمشتغل به وإنما طريقة ممارسة ذلك العلم/الصناعة والأخلاق المتبعة فيه.
وهو هنا بقدر ما يسعى ليبدو كمن يقر حقيقة ويؤكدها فإن المرء لا يسعه إلا إن يستشعر أنما يحفزه إلى ذلك قلق عميق من سؤال عساه يُطرح؛ لم يضع شيخ كبير وإمام من أئمة صناعة الكتابة كتابا عن الحيوان ولم يشتغل بذلك في آخر عمره وغير ذلك كان أخلق به!
اللطيف في الأمر أن كتاب الحيوان رغم عمر الجاحظ حين وضعه ورغم ضخامته فإنه لا يمثل قولا فصلا ولا يلمح المطالع أثرا لروح الكبر إلا في مواطن بعينها أما عدا ذلك فهو غني بالتساؤلات الذكية والمتحيرة تجاه الكثير من طبائع الحيوان وسلوكه، تساؤلات لم يجد اجابتها على ولعه بالتحري والسؤال حتى قصد الملاحين والحوائين والعطارين و الصيادين والكناسين والباعة والعلماء و الأعراب وكتب السابقين.. باختصار حتى ذرع كل ما في وسعه، تساؤلات تكشف عن روح مفعمة بالحياة وعين كأنما جحظت من شدة رغبة صاحبها في النظر من حوله واستكناهه..
روح تعودت الفكرة وقلب لم يمل ملاحقة العبرة...
“ولولا أنّ ناسا من كلّ جيل، وخصائص من كلّ أمّة، يلهجون ويكلفون بتعرّف معاني آخرين لدرست. ولعلّ كثيرا من هؤلاء يزري على أولئك، ويعجّب الناس من تفرّغهم لما لا يجدي، وتركهم التشاغل بما يجدي، فالذي حبّب لهذا أن يرصد عمر حمار أو ورشان أو حيّة أو ضبّ، هو الذي حبّب إلى الآخر أن يكون صيّادا للأفاعي والحيّات، يتتبّعها ويطلبها في كلّ واد وموضع وجبل للترياقات. وسخّر هذا ليكون سائس الأسد والفهود والنّمور والببور، وترك من تلقاء نفسه أن يكون راعي غنم والذي فرّق هذه الأقسام، وسخّر هذه النفوس، وصرف هذه العقول لاستخراج هذه العلوم من مدافنها، وهذه المعاني من مخابيها، هو الذي سخّر بطليموس مع ملكه، وفلانا وفلانا للتفرّغ للأمور السماويّة، ولرعاية النجوم واختلاف مسير الكواكب. وكلّ ميسّر لما خلق له، لتتمّ النعمة ولتكمل المعرفة، وإنما تأبّى التيسير للمعاصي.
فأمّا الصناعات فقد تقصر الأسباب بعض الناس على أن يصير حائكا، وتقصر بعضهم على أن يكون صيرفيّا، فهي وإن قصرته على الحياكة، فلم تقصره على خلف المواعيد وعلى إبدال الغزول، وعلى تشقيق العمل دون الإحكام والصدق وأداء الأمانة، ولم تقصر الصيرفيّ على التطفيف في الوزن والتغليط في الحساب، وعلى دسّ المموّه؛ تعالى الله عزّ وجلّ عن ذلك علوا كبيرا.”
(3)
عبد القاهر الجرجاني وابو عثمان..
يمكن اعتبار الاستشهاد التالي من بين أرق الاهداءات في مطالع الكتب وربما هو أيضا من بين الطفها واخفاها.
وسر ذلك أن صاحبه ربما لم يرد منه الاهداء عن قصد ولم يرم إليه بصورته المعتادة، لكنه على ذلك ما إن شرع في كتابه حتى مضى رأسا إلى غايته يتناول قضيته التي شغلته وحفزته على تأليف كتابه ومحاولة تبيان منهجه من خلاله، ثم لا يكاد يمضي خطوتين حتى يعرج على صاحبه القديم، يومئ إليه ويزجي إليه بتحية عابرة للقرون.
يذكره ليقرع أسماع كل مشتغل بصنعة الكتابة قد ذهل عن غايتها الأساسية وهي الافهام ونقل ما في الصدور وذهل عن ذلك في ملاحقة زخرف لفظي أو وشي بياني أو حلية بديعية ويذكرهم بأستاذ هذا الفن وعموده ومعينه ويقف بهم في كتابه ازاء أحد أبرز مطالع كتب ذلك الصديق القديم والمعلم الجليل صاحب البيان والتبيين ، مطلع كتابه الأشهر على الإطلاق..
يقف بإجلال ازاء من يسميه العارف بجواهر الكلام.. وقفة عجلة كانما انصرف إليها شعور داخلي عميق بالامتنان لهذه المقدمات قبل الكتب حتى والتي بدت كما لو كانت رسل البساطة غير الساذجة و السلاسة غير المفتعلة..
ثم ينصرف بعد تلك التحية العجلة إلى قصده...
“وقد تجد في كلام المتأخرين الآنَ كلاماً حَمَل صاحبَه فرطُ شَغَفِه بأمورٍ ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنَّه يتكلم ليُفهِم، ويقول ليُبين، ويُخيَّل إليه أنه إذا جَمَعَ بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عَنَاهُ في عمياء، وأنْ يُوقع السامعَ من طَلَبه في خَبْطِ عَشْوَاءِ، وربَّمَا طَمَسَ بكثرة ما يتكلَّفه على المعنى وأفسده، كمن ثقَّل العروسَ بأصناف الحَلْي حتى ينالها من ذلك مكرُوهٌ في نفسها.
فإن أردت أن تعرف مِثالاً فيما ذكرتُ لك، من أن العارفين بجواهر الكلام لا يعرِّجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحَّته، وإلا حيثُ يأمَنون جنايةً منه عليه، وانتقاصاً له وتعويقاً دونه، فانظر إلى خُطَب الجاحظ في أوائل كتبه هذا - والخُطبُ من شأنها أن يُعْتَمَد فيها الأوزانُ والأسجاعُ، فإنها تُرْوَى وتُتناقل تَنَاقُلَ الأشعار، ومحلُّها محلُّ النسيب والتشبيب من الشعر الذي هو كأنه لا يُرَادُ منه إلاّ الاحتفالُ في الصنعة، والدَّلالةُ على مقدار شَوْطِ القَرِيحَة، والإخبارُ عن فَضْل القوة، والاقتدار على التفنُّن في الصنعة -
قال في أول كتاب الحيوان: “ جَنَّبك الله الشُّبْهة، وعَصَمَك من الحَيْرِةِ، وجعل بينك وبين المعرفة سبَباً، وبين الصدق نسبَاً، وحبَّب إليك التثُّبت، وزَيَّنَ في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عِزَّ الحق، وأوْدِع صدرَك بَرْدَ اليقين وطَرَد عنك ذُلَّ اليأس، وعرَّفك ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل من القِلّة “.
فقد ترك أوَّلاً أن يوفِّق بين الشبهة والحيرة في الإعراب، ولم يَرَ أن يَقْرن الخلاف إلى الإنصاف، ويَشْفَعَ الحق بالصدق، ولم يُعْنَ بأن يَطْلُب لليأس قرينةً تصل جناحَه، وشيئاً يكون رَدِيفاً له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحقُّ، والموازنة فيها أحسنَ، ورأى العناية بها حتى تكونَ إخوةً من أبٍ وأمٍّ؛ ويذَرَها على ذلك تَتَّفقُ بالوداد، على حسب اتّفاقها بالميلاد، أَوْلى من أن يَدَعها، لنُصْرَة السجع وطلب الوزن، أولادَ عِلَّة، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر، فأما أنْ يَتَعَدَّى ذلك إلى الضمائر، ويُخْلص إلى العقائِد والسَّرائر، ففي الأقلِّ النادر.”
(4)
لأبي عثمان الجاحظ في كتابه عن الحيوان سمات عدة لعل منها وقوع التكرار في بعض المعاني التي يوردها.
ولست أعلم أذاك منه عن قصد و إرادة أم هي السن العالية وإرهاق العلل الملازمة له وطول الكتاب وما اخذ به نفسه في اثناء كتابته مما لعله صرفه عن التنبه إلى أنه يعيد بعض ما سبق واشار إليه.
أو لعل الأمر سمة نابعة من شخصه وأسلوبه الذي يغلب عليه الحكاية والاستطراد ما يجعله يخشى أن تتوه منه في خضم استطراداته المتلاحقة وفيض حديثه فيحرص على استعادة ما يرا قارئه جديرا بادراكه ومن ثم تذكره لاحقا.
من ذلك اشارته لأنماط التدين فيمن حوله أو كما يسميه نسك طوائف الناس وهو هنا يمنحنا على بعد الزمن فرصة متابعة تفاعل الأقدمين من عموم الخلق مع الدين و حقيقته وكذلك فرصة المقارنة بين ما نراه اليوم وما كان قديما و التحولات الحادثة والسمات الباقية.
“وجدنا لجميع أهل النقص، ولأهل كل صنف منهم نسكا يعتمدون عليه في الجمال، ويحتسبون به في الطاعة وطلب المثوبة، ويفزعون إليه، على قدر فساد الطباع، وضعف الأصل، واضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، وقلة التثبت والتوقف، ومع كثرة التقلب والإقدام مع أول خاطر :
فنسك المريب المرتاب من المتكلمين أن يتحلى برمي الناس بالريبة، ويتزين بإضافة ما يجد في نفسه إلى خصمه، خوفا من أن يكون قد فطن له، فهو يستر ذلك الداء برمي الناس به.
ونسك الخارجي الذي يتحلى به ويتزيا بجماله، إظهار استعظام المعاصي، ثم لا يلتفت إلى مجاوزة المقدار وإلى ظلم العباد، ولا يقف على أن الله تعالى لا يحب أن يظلم أظلم الظالمين، وأن في الحق ما وسع الجميع.
ونسك الخراساني أن يحج وينام على قفاه، ويعقد الرياسة، ويتهيأ للشهادة، ويبسط لسانه بالحسبة. وقد قالوا: إذا نسك الشريف تواضع، وإذا نسك الوضيع تكبر. وتفسيره قريب واضح.
ونسك البنوي والجندي طرح الديوان، والزراية على السلطان.
ونسك دهاقين السواد ترك شرب المطبوخ.
ونسك الخصي لزوم طرسوس وإظهار مجاهدة الروم.
ونسك الرافضي ترك النبيذ. ونسك البستاني ترك سرقة الثمر. ونسك المغني الصلاة في الجماعة وكثرة التسبيح، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ونسك اليهودي التشدد في السبت وإقامته.
والصوفي المظهر النسك من المسلمين، إذا كان فسلا يبغض العمل تطرف وأظهر تحريم المكاسب، وعاد سائلا، وجعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له.
وإذا كان النصراني فسلا نذلا مبغضا للعمل، ترهب ولبس الصوف؛ لأنه واثق أنه متى لبس وتزيا بذلك الزي وتحلى بذلك اللباس، وأظهر تلك السيما، أنه قد وجب على أهل اليسر والثروة منهم أن يعولوه ويكفوه، ثم لا يرضى بأن ربح الكفاية باطلا حتى استطال بالمرتبة.
فإذا رمى المتكلم المريب أهل البراءة، ظن أنه قد حول ريبته إلى خصمه، وحول براءة خصمه إليه. وإذا صار كل واحد من هذه الأصناف إلى ما ذكرنا، فقد بلغ الأمنية، ووقف على النهاية.”
ثم يقول في موضع آخر :
“ ولرجال كل فن وضرب من الناس، ضرب من النسك، إذ لا بد لأحدهم من النزوع، ومن ترك طريقته الأولى:
فنسك الخصي غزو الروم، لما أن كانوا هم الذين خصوهم، ولزوم أذنة والرباط بطرسوس وأشباهها. فظن عند ذلك أهل الفراسة أن سبب ذلك إنما كان لأن الروم لما كانوا هم الذين خصوهم، كانوا مغتاظين عليهم، وكانت متطلبة إلى التشفي منهم، فأخرج لهم حب التشفي شدة الاعتزام على قتلهم، وعلى الإنفاق في كل شيء يبلغ منهم.
ونسك الخراساني أن يحج: ونسك البنوي أن يدع الديوان. ونسك المغني: أن يكثر التسبيح وهو يشرب النبيذ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة في جماعة. ونسك الرافضي: إظهار ترك النبيذ. ونسك السوادي ترك شرب المطبوخ فقط. ونسك اليهودي: إقامة السبت.
ونسك المتكلم: التسرع إلى إكفار أهل المعاصي، وأن يرمى الناس بالجبر، أو بالتعطيل، أو بالزندقة، يريد أن يوهم أمورا:
منها أن ذلك ليس إلا من تعظيمه للدين، والإغراق فيه، ومنها أن يقال: لو كان نطفا، أو مرتابا، أو مجتنحا على بلية، لما رمى الناس، ولرضي منهم بالسلامة، وما كان ليرميهم إلا للعز الذي في قلبه، ولو كان هناك من ذل الريبة شيء لقطعه ذلك عن التعرض لهم، أو التنبيه على ما عسى إن حركهم له أن يتحركوا. ولم نجد في المتكلمين أنطف ولا أكثر عيوبا، ممن يرمي خصومه بالكفر.”
(5)
كتب الحيوان كنوع في الادب العربي- م. ف. مكدونالد
“إن الفارق الرئيسي بين الدميري والقزويني يتمثل في وفرة مصادر الأول كما هو متوقع من أحد مدرسي/شيوخ الجامع الأزهر. فإذا هيأ القزويني أساسا صالحا لمادة من مواد كتابه فإن الدميري يتوسع فيما يضيفه حتى تتضاعف تلك المادة وذلك لقراءاته الواسعة.
وقد عد دو سوموجي ١٠٧ مصدرا مقتبسا في كتاب الدميري هذا عدا المصادر المجهولة. يبدو هذا التدقيق في إثبات المصادر بحد ذاته لدى كاتب من هذه الحقبة المتأخرة أمرا لافتا.
ومع ذلك فإن هذين المؤلفين يختلفان اختلافا بينا عن الجاحظ، إذ ينتمي كلاهما لعصر لاحق من الكتابة العربية؛ عصر الموسوعات و المجاميع و التنظيم العام للمعارف. يميل مؤلفو ذلك العصر إلى اعتبار العلوم كيانات محددة تنتظم بداخلها المعارف المؤكدة سلفا و الموروثة من السابقين في حين تتمثل جل مهمتهم في تيسير تلك المعارف وتنظيمها و تهيئة السبل لسهولة استيعابها.
بصيغة أخرى فانهم ينتمون للعصور الوسطى بينما ينتمي الجاحظ إلى حقبة لا يمكن تعريفها بمصطلحات أوروبية، حقبة تمازج فيها الإيمان الديني العميق وعناصر من الميراث الهليني المتأخر مع حماسة ثقافية هي بنت ذلك الزمن.
فما يخشى العالم كما يتساءل ( وقد أمكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التّقيّة ، وهبّت ريح العلماء، وكسد العيّ والجهل، وقامت سوق البيان والعلم؟!)
كانت الروح العلمية الإسلامية في أوجها حين سطر الجاحظ هاته الكلمات، وبالرغم من أن بذور الاضمحلال السياسي كانت ماثلة آنذاك فإنه لمن غير المرجح أن يكون قد تنبأ بما عسى يقع لاحقا.”
إذا وصلتَِ هنا فلعل بعض خواطري عن أبي عثمان قد أعجبتكَِ ولعل المزيد منها قد يثير اهتمامكَِ :
وهنا بعض مقتطفات من أحاديث الجاحظ لعلها تصلح كمقدمة وجيزة لأسلوبه وبعض أفكاره النافذة


