“لما تشوف الشهيد تبقى السلامة خجل
وتبقى عايز تقول له يا أخى آسف
طب قول لى بس أعمل ايه، لو يعنى فيها عمل
اللقمة دى لك نصيب فيها باشيلهولك
وأشيل نصيبك من القعدة وكاسات الشاى
لكن نصيبك فى أنفاسى أشيله إزاي ؟”
تميم البرغوثي
المفارقة فيما يجري خلال هذه الأيام تتمثل في ذلك الطوفان الهائل من الأخبار والتحليلات والنظريات، إتاحة المعرفة والاقتدار عليها بل وتيسر درجات مختلفة منه، الأخبار كما هي ثم ما ينبني عليها من تصورات وما يطبق عليها من رؤى ونظريات، كل ذلك في متناول اليد بأيسر سبيل مع العجز الهائل عن ادنى درجات الفعل، العجز الجاثم على النفوس عن أيسر سبل تغيير الواقع مع تصاعد القدرة على الإلمام به وتفكيكه..
زنزانة ضخمة لكنها ليست كالزنازين!
في العادة فإن بعضا من قسوة السجن انما تتمثل في قطع نزلاءه عن كل أسباب الحياة وعزلهم عن سائر محيطهم الاجتماعي والإنساني عزلا تنعدم معه كل من القدرة والمعرفة...
لا يعرف المسجون الا قليلا مما يتغير في الدنيا حوله خارج الزنزانة مع ما يفرض عليه من عجز وتكبيل لجسده وحصر له في مساحة محدودة ضيقة. يشهد فيها يوما بعد يوم بما يثير الجنون التفاوت الكبير بين امكاناته من حيث هي ومن حيث هو إنسان كانت له حياته وآماله وطموحه ومساعيه وبين ما يقدر عليه في الواقع من حيث هو محدود لا يتجاوز الوظائف الإنسانية الأولية من طعام وشراب وإخراج!
هذا الشهود اليومي بعض من عذاب السجن لكنه مع ذلك مصحوب بانقطاع عن العالم.. انقطاع ينشئ للمرء زمنه الخاص.. زمن خارج الزمن ان صح القول! لكن الزنزانة التي نحيا بها اليوم تفرض علينا المعرفة المفصلة والدقيقة عما يجري من حولنا مع تكريس العجز حتى عما كان متاحا قبلا ومتيسرا.. عجزا صرفا ليس فيه اي مداراة او تجميل أو تخييل بالقدرة.. معرفة وافية مع شهود يومي لانحسار إمكانات ملايين البشر رغم القدرة عن تهوين الظلم وتخفيفه دعك من ردع الظالم أو لجمه عن عدوانه.
لا يحيا المرء إذن في زنزانة مغلقة منقطعة عن العالم بل في زنزانة مفتوحة على مصراعيها على العالم.. منغمسة فيه، تكبل يديك وتفتح عينيك على اشدهما وتقبض فمك أن ينزوي ويعبس بل تكرهك يوما بعد يوم على الابتسام والضحك ومتابعة شئون الحياة وتفاهاتها ومشاهدة من ليس يبالي ولا يعني نفسه حتى ان ينكر ما يحدث بلسانه بل لو اتيحت الفرصة له لشرع يتقمم ارذل المبررات واحطها ليلقيها في وجهك!
لا يملك المرء أن يعتزل العالم العبثي من حوله ولا يملك كذلك دفعا للظلم والتجويع والمهانة ولو بشق تمرة فماذا نملك غير الصراخ وغير القراءة المستمرة في عبثيتها وطوفان مشاركة الأقوال والتحليلات والنظريات والأخبار.
هذا العجز التام مع المعرفة الوافرة يأكل الإنسان من داخله، يقتات عليه ويقرض حياته يوما بعد يوم.
واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تضوى به الأجسام!
كيف للمرء إذن أن يحفظ على نفسه سلامته العقلية وصحته النفسية وهو يرى مجال الفعل محدودا إلا من الصراخ حينا أو تناقل الأخبار أحيانا أو الدعاء في كل الأحيان؟
كان يقال أن مع كل تنفذ للسلطة لا يعدم الناس هامشا للمقاومة مهما صغر لكن المعضلة اليوم أن تنفذ السلطة وطغيانها يتعاظم كل يوم وهوامش المقاومة تتضاؤل ايضا.. من هنا فإن أقدام آرون بوشنل على حرق نفسه يبدو أبلغ تعبير عن واقعنا من حيث قدرة الناس على مطالعة أخبار وأحوال الجانب الأقصى من العالم فور وقوعها مع انحسار قدرة الفعل الإنساني الا في المساحة الشخصية/الجسد نفسه..
اخرج آرون للناس ،بحرق نفسه، النار الكامنة التي تحرقني وتحرقك كل يوم في دواخلنا.. أخرجها للعلن.. أشهد السلطة والناس جميعا على عجزنا الهائل مع تعاظم معرفتنا بالظلم الهائل..
لا يستقيم بنيان الإنسان وتستمر حياته سليمة على هكذا أحوال لابد أن يحترق او أن يتحول لوغد حقير بعد أمد..
هذا التحول لا يلزم بالضرورة أن يكون حاسما قاطعا.. يمسي المرء إنسانا ويصبح وغدا..لكنه انزلاق يومي ينشأ من التطبيع المستمر مع هذه المظالم الهائلة والعجز الهائل، كل يوم يتنازل المرء عن قطعة من ضميره كي يستمر في حياته أو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام تشربها القلوب وتتحول بعدد النكات السوداء بعد حين قلوبا صدئة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا.. كالحجارة أو أشد قسوة ببساطة..
عرضت المحن من ثم على قلب آرون فأنكرها..
احترق آرون قبل أن يشعل النار في جسده.. وما كانت تلك النيران الا صورة مما يعتمل في نفسه..
(كتبت مطلع ٢٠٢٤..)


