“والظاهر تنزيه القرآن عن هذا كما ذهب إليه الإمام (مالك) رحمه الله لأن القرآن هو محل خشوع بذكر الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بإدراك الحسن من الأصوات، وهكذا كانت قراءة الصحابة كما في أخبارهم. فأما قوله صلى الله عليه وسلم لقد اوتي مزمارا من مزامير دواد، فليس المراد به الترديد و التلحين، وإنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها “
ابن خلدون.
يرى ابن خلدون أن القرآن مكتف بذاته لا يحتاج إلا إحسان القراءة وضبط النطق ولا يلزم له سوى الحد الأدنى من حسن الصوت لئلا يشغل بحسنه السامع عن القرآن نفسه، فالصوت الحسن من ثم حجاب ينبغي الحذر منه أن يستغرق الآذان فيميل بها عن الخشوع وذكر الموت إلى الالتذاذ به والطرب له وحده.
القارئ حسن الصوت ليس معفى من التهمة وسوء الظن ضمنا فهو قد يغره صوته الجميل فيدعوه لمجانبة آداب التلاوة وسياق القرآن نفسه فلا يكون مطية له وسبيلا لتقريب معانيه إلى النفوس بل منازع له على الآذان يصرفها عن تدبر المعاني إلى التلذذ به، القارئ هنا رسول وما عليه سوى البلاغ، ليس له أن يتدخل برسالته لا يعمل لشرحها ولا تزيينها ولا تجميلها لأن ذا قد يكون بابا للعجب والغرور وافساد الرسالة، السامع اذن عليه العبء كله، عبء التلقي والفهم والتدبر والخشوع، وعليه من ثم أن يتخذ اهبته للسماع ولا ينتظر عونا من القارئ، هو نفسه إن لم يكن ردئ الصوت قد يغدو قارئا، يغيب الأميون من محفل التلاوة فالجميع قد تلقى القدر اللازم من القرآن لاستيعاب ما يتلى عليه منه.
لكن كيف يكون القارئ محض رسول وقد قال عن بعض القراء الرسول عليه السلام أنه أوتي مزمارا من مزامير داود عليه السلام، داود عليه السلام الذي تأوب معه الجبال والطير ولان له الحديد قطعا امتلك قدرا كبيرا من جمال الصوت لا الحد الأدنى منه لكنه نبي اذن فالضابط الآخر لحسن الصوت هو ما عسى يبلغه إنسان من القرب من النبوة أي الترقي في مدارج التقوى لتعصمه من الغرور والانغماس بحلاوة صوته ومنازعة رسالته.
يحتاج القارئ الحسن الصوت اذن إلى تقوى تيسر عليه الخشوع والامحاء ازاء النص الذي يتلوه، يحتاج إلى التواري وتقديم المعاني القرآنية لا التباهي والتلاعب. يمر ابن خلدون على ذلك سريعا، القرآن محل ذكر للموت وما بعده لا محل تلذذ،التلذذ بالصوت الحسن اذن فعل دنيوي عائق عن تدبر الموت واستحضاره إنه بمثابة انغماس في الدنيا لا تهيؤ لمفارقتها.
يكتب ابن خلدون وفق منهج منضبط، بصرامة واضحة، يعلم ما يريد قوله، ذهنه مرتب، ذكي للغاية، همه استخلاص القوانين الحاكمة على البشر والتاريخ، صاحب مزاج معتدل لا يميل للمزاح وفي قوله الذي يدور حوله الحديث يمكن للمرء أن يلمس مسا من كآبة واثرا من آثار ذلك الزمن الذي انحسر فيه مد الحضارة العربية وافلت نجومها الزاهرة ومسا أيضا مما أصابه نفسه في حياته الحافلة بالمطاردات و المغامرات فالقرآن على سعته يئول في النهاية لمحل خشوع وتدبر في الموت/أفول الحياة وما بعدها ، الأمل ليس في هذه الدنيا بل بعدها فلذا لا ينبغي الاستئسار لملذاتها كالصوت الحسن إذ كل ذلك زائل.
تبدو المفارقة واضحة بين زمان وزمان واسلوب واسلوب وحياة وحياة حين يستحضر المرء نصا لأبي عثمان الجاحظ يدرج فيه اثر التلاوة الحسنة على من لا يقرأ القرآن من أهل الكتاب فيبكي يقول “ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، والقراءات الملحّنة. وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدّق به؟ قال: إنما أبكاني الشجا “.
أبو عثمان يميل لالتقاط المفارقة ويعنى بتدوينها وكذلك فهو في أول بزوغ شمس الحضارة العربية غير مثقل بالتجارب المؤلمة التي يرزح تحت ثقلها ابن خلدون وهو يرى في الصوت إمكانية لشد انتباه غير المسلمين بهذا الشجا المبكي في تلاوته والذي قد يدفعهم للبحث في معانيه التي تثير هذا الشجا والشجن.
الصوت الحسن في عين أبي عثمان لطبيعته المرحة وزمنه القار مبعث طرب للابل والطير والبشر، جمال تلتقي عنده الكائنات، بالطبع ينبغي الحذر منه لكنه حذر الهلكة من فرط الطرب أو الكمد.
من ناحية أخرى فالمقارنة بين بنية الكتابين (الحيوان و المقدمة) مثيرة للغاية، العالم ازاء أبو عثمان يبدو مفتوحا على مصراعيه داعيا للنظر في كل ناحية منه، مرحبا مهللا، مدخرا من المتعة والعبرة الشئ الكثير في كل مخلوق مهما ضؤل والرائد/أبو عثمان هنا يبدو كما لو كان خارجا لتلك النزهة الاستكشافية متزودا برؤية جديدة للعالم، رؤية تجعل كل جزء من هذه الحياة دالا على الخالق العظيم بطريقته الخاصة، الطير والحيوان والنبات جميعا ميدان للنظر، لا يملك أبو عثمان في هذه الخميلة الواسعة الارجاء إلا الوثب من هنا لهناك ليس هناك مع يعجله أو يقبض قلبه وعينه عن النظر فالدهر في اقباله.
أما أبو زيد ابن خلدون فالبشر من دون سائر الأمم محل نظره والتاريخ ميدانه ليس الأمر هروبا من واقع مرير لكنه نزوع لفهمه وعقلنته، محاولة لتشكيل سياق يمكن من خلاله فهم اللحظة الحاضرة، في سعة التاريخ وأحوال البشر ما يصرف عن أحوال سائر الكائنات، وكذلك لا محل للاستطراد والاريحية في الحديث، النهج الواضح مقصود ومطلوب للفهم وتيسيره كذلك، نظام الحديث وتسلسله مرجو منه أن يفيد القارئ نظرا مرتبا يعين على فهم الحياة من حوله والتاريخ الذي يحيا فيه.



