“ لقد كنا، أو هكذا بدا الأمر في تلك الليلة في طرابلس، صديقي طفولة قديمين، وبعد ثلاثة عقود من الافتراق، من الاتصال فقط عبر الهاتف والرسائل ثم البريد الإلكتروني والرسائل النصية، أخذنا الآن بإخلاص المسافرين المُتخفّين المُنقذين أو المشردين نتشاطر ما جمعته السنوات من أحجار كريمة في جيوبنا.”*
هشام مطر
كانت مفاجأة! ما إن اجتمع شملنا حتى تدحرجت بنا الأحاديث وشرع صاحبنا ينشد
لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات وما نطير
فأما يومهن فيوم نحس ... تطاردهن بالحدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركبًا ... وقوفًا ما نحل وما نسير
وراح يقص علينا جانبا من حديث طرفة وعمرو بن هند، أصغيت إليه بكل جوارحي وقد غمرني حديثه بدفء طال افتقادي إليه وعجب طويل من نفسي ونفح من ذكريات موغلة في البعد كانت كأنما انمحت من الذاكرة فلم يلبث الحديث متهاديا على وقع صوت صاحبي حتى جدد العهد بها كأنها كانت بالأمس فقط لا منذ ما يزيد على العقد!
طارت بي الأبيات إلى ذلك الزمن الأول، زمن النضارة الغضة في الطلب والتذوق الطريف للشعر كشئ سحري غريب غير مألوف ولا معهود والحواس بعد مشحوذة والنفس مرهفة والدواعي إلى التنافس المحمود قوية، نجتمع فيما يشبه ان يكون سوق عكاظ حديثة يلقي الواحد منا ما حفظ بالأمس من أبيات يصغي الجميع إليها منتظرا دوره ليعاجل الآخرين بما يستلب ألبابهم، مع كل دقة تن تتن من الأبيات الملقاة كنت أغوص في ثملي بالذكرى وظلالها الوارفة، كمن انفتحت له طاقتان؛ طاقة يطل منها على أولئك الصغار يتلاقفون تلك الأسماء الغريبة والألفاظ المبهمة والمعاني القديمة في جذل ونشاط وطاقة يطل منها على قلوب كابدت من معيشتها جهادا، كادت تتبلد وتنثلم فهي تتمسك بأهداب من المعافرة والأمل والصداقة والبسمات المرهقة الواهنة!
كنت في الاونة الأخيرة من غربتي التي طالت قد تسللت إلي أسباب الوحشة والقلق وافتقاد الأصدقاء والحنين اليهم وإلى أحاديثهم طويلا، لم تعد تقنعني الرسائل ولا الاتصالات، مع كل يوم كان يتزايد شعوري بالحاجة إلى التجوال مع أصحابي لا لأحكي ولأثرثر في المقام الأول ولكن لأستئنس وأشعر بنفسي وأجمع علي أطرافها المتبعثرة، حاولت أن أعقد الصلات وأوطدها مع بعض زملائي ومعارفي لكن كان ثم دوما عوائق كثيرة تحول دون ذلك الأنس والألفة التي نمت وامتدت على جدران العمر كما تمتد الجهنميات المتسلقة، ليس أولها اللغة وليس آخرها تفاوت العمر، لم تحل هذه العوائق دون الاستمتاع ما وسع المرء بصفو الأوقات ورقة الابتسامات واللطف المبذول لكني كنت كلما اوغلت فيها زاد شعوري بافتقاد أصدقائي والشوق إليهم.
(على جدران العمر امتدت كما تمتد الجهنميات المتسلقة)
حاولت الانغماس في عدة أشياء منها ذلك الطريق الرائع الذي صرت انكفئ إليه مغرب كل يوم عقب نهاية يوم العمل فأذرعه مدندنا مغنيا منطربا وأجيل في نواحيه عيوني ممليا ناظري من الافق والسحب والأشجاروالطيور وتلك الماكينات الهائلة المنثورة في ذلك الفضاء القفر كما لو كان أصحابها هجروها وخلفوها شواهد على قدرتهم ودينونة الأرض لهم. (حدثت أخي لاحقا عن صحبتي لأشجار البلوط وأنسي بها كلما رأيت اورقها التي لطالما شعرت يها أيادي ممتدة لمصافحتي وتحيتي وكم من مرة توقفت لألقي عليها السلام وأصافحها وإصغائي كذلك إلى أنينها الخريفي الحزين كلما هوى بعضها وعبث الرياح بها مطوحة ثمارها قاصفة اغصانها، ضحك مني وقال لقد مس عقلك شئ يا رجل من ذلك الاستيحاش!)
أحاول الانتباه ما وسعني لكل ما يعرض لي و أحاول كذلك أن أُروي صدري وأبل جوانحي من تلك الأسراب المنتشرة في الافق والسحب المتراكمة وألاحظ تحولها وتبدلها على مر الأيام متتبعا تلاحق أفكاري ومصغيا أحيانا إلى بعض الأحاديث التي يلقيها بعض من أحب الاصغاء إليهم، اتفاعل معهم وافكر وارد على الأفكار وأصرف شيئا من وقتي الى الكتابة لاحقا ومحاولة تدوين ذلك كله، لكني سرعان ما لاحظت أن خلو الطريق وبراحه سرعان ما يستثير في النفس السؤال الذي لا مفر منه :
أين الصديق الذي يقطع معك ذلك الطريق ؟
وإذا بها تواجهني بكل وضوح أن المرء في نهاية الحال ليس كتلك الزهور المبهرة الجمال والتي تخضع لناموسها في الإنبات والإزهار والتحول خضوعا صارما لا تبالي أشهد ازهارها الفاتنة ام لم يبال بها أحد، لا تحتاج لتنثر عطرها على أحدهم او تريه جمالها وتناسقها، اما انت فتحتاج من يصغي إليك وتصغي إليه، من تلقي إليه بما في نفسك ومن يتلقاه عنك وينفعل به وبك، كنت أطوي تلك المعاني في نفسي وادافع الضيق ما وسعني أملا في يوم العودة وساعة اللقاء!
حدثت أصحابي بذلك كله، كنت أتدفق بالحديث كالموج شعور من طال به الصوم عن الحديث ثم انفرجت له حجب الأيام عن تلك الوجوه الحبيبة والنفوس الرقيقة والآذان المصغية فلم يدخر شيئا في نفسه ولم يتمهل، لم يكن الأمر كما قلت مجرد حديث واصغاء ولكني كذلك كنت أشعر في وجودهم كمن جئ له بمفاتيح خزائن ضخمة قد انطوت على الذخائر والنفائس الغالية وقد نسيها أو غابت عنه فإذا به كلما ألقي إليه مفتاح شرع يستعيد به كنزا طال احتجابه وإذا الذكريات تتابع وتنثال في يسر وسلاسة، كانت الذاكرة بحاجة فقط لتلك المفاتيح، قال صديقي عندئذ لذلك يموت بعض المرء بموت بعض اصدقائه وفقدانهم! كان التعليق مقبضا ولكني كنت أدرك معكوسه على كل حال، كان بعضي يحيا بحياة أصحابي وتجدد عهدي بهم! وهم بعضي ألم يقل الشاعر القديم :
أيها الراكب الميمم أرضي، أقر من بعضي السلام لبعضي!
(يذكرني ذلك بالقصيدة الرقيقة لإيميلي ديكنسون عن الصداقة التي تصمد ازاء عوادي الزمن وتقلباته، سحرا لا يبطل بالغياب والبعد، لا تنشق فيه الغيابات والمسافات عن صدوع لا ترأب بل كل صدع مهما عظم تكفي ساعة لقاء لملئه وتجسيره، جمر مهما طال ما ييدو من خموده فإن النار كامنة ابدا فيه، حركها فقط يسطع نورها ودخانها كعهدها الأول..
https://onbeing.org/programs/emily-dickinson-1383/
في المقطع السابق القاء لطيف لبودريج توما وملاحظات ذكية ومثيرة كعادته دوما )
كانت السمة الغالبة على لقائي أصحابي الخفة!
خفة اللسان قبل كل شئ إذ لم يعد ثم حاجة للسان غريب يطارد المرء كلماته ويشقى بتراكيب جمله ويتوه في وصف مشاعره وتنزيلها على مقاس الكلمات المعروفة والقوالب الواضحة وما يلحق بذلك من تشويه للمشاعر والأفكار وتمثيل بها من أثر ضيق الباع وقلة الحيلة في التصرف باللغة في ميدان المشاعر الواسع.
خفة النفس في تناول مشاعرها وافكارها وخواطرها، لا يحتاج المرء أن يحسب طويلا كيف يتحدث مع أصحابه وكيف يلقي بالكلام في حضرتهم، ليس هناك كبير خوف من الزلل وما يترتب عليه، وفي سعة الصدور خير مرمم لمعاني الكلمات ومئول لها.
خفة الأحاديث نفسها كذلك، ليس هناك داع للاحتشاد في الأفكار وتنميقها، لا يخشى المرء بين أصحابه ان يبدو أحيانا لا يدري شيئا من شئ أو يخطئ في بعض الأشياء أو يجهل أخرى، ليس هناك صورة يحرص المرء على رسمها وصياغتها وارساءها في النفوس.
الأصدقاء يعلمون من أنا!
قال صديق عقب كلمة لي (it’s عمرو being عمرو) استلطفت ذلك للغاية، كنت أعيد لقاء نفسي في عيون أصحابي واعيد التعرف على ما نسيت منها وما طمرته الأيام وما أخفته يد الخوف والقلق وقلة الثقة بالنفس، شعرت تماما بفقرة كونديرا التالية
“خلال العبارات الأخيرة، ظل الصديقان في مكانهما؛ استفاد الكلب من ذلك : انتصب ووضع قائمتيه على جوزيف الذي داعبه . تأمل «ن» هذا الزوج المؤلف من رجل وكلب طويلاً؛ بتحنن متزايد. كما لو أنه الآن فقط تأكد من مضي هذه السنوات العشرين دون أن يريا بعضهما خلالها : «آه، كم أسعدني مجيئك ! ربَّتَ على كتفه ودعاه للجلوس تحت شجرة تفاح. وفجأة أدرك جوزيف ذلك : الحديث الجدي والهام الذي كان قد أَعَدَّ له لن يحدث. وفي غمرة تفاجئه، أصبح ذلك عزاء وخلاصاً ! فبعد كل شيء لم يأتِ ليُخْضِعَ صديقه لاستجواب !
وكما لو أن مزلاج باب قفز، انطلق حديثهما بحرية ومتعة، ثرثرة بين صديقين قديمين ذكريات مبعثرة، أخبار أصدقاء مشتركين تعليقات لطيفة، مفارقات، مزحات. كان ذلك كأن ريحاً عذبة ودافئة وقوية احتضنته بين ذراعيها. شعر جوزيف بفرح لا يقاوم للكلام ، آه، فرح غير متوقع البتة! خلال عشرين عاماً لم يكد يتكلم التشيكية. كان الحديث مع زوجته سهلاً، فاللغة الدنماركية أصبحت لغتهما الهجينة الحميمية، لكنه ظل مع الآخرين متيقظاً لاختيار الكلمات ولبناء جملة، والمراقبة نبرته كان يبدو له وهو يتكلم أن الدنماركيين يركضون بخفة، بينما هو يَخِبُّ خلفهم محملاً بوزن عشرين كيلوغراماً. الآن أصبحت الكلمات تخرج من فمه من تلقاء ذاتها، دون أن يحتاج إلى البحث عنها ومراقبتها . لم تعد التشيكية تلك اللغة المجهولة ذات الخنة التي أدهشته في الفندق بمدينته الأم. تَعَرَّفَ عليها أخيراً وتذوقها. شعر معها بنفسه رشيقاً كما بعد جلسة تنحيف. راح يتحدث كما لو أنه يطير، وللمرة الأولى في إقامته كان سعيداً في بلده ويشعر أنه فعلاً بلده.”
شعرت شعورا لذيذا بمخاتلة الزمن والاحتيال عليه وغمرني ذلك الإحساس العميق باتصال ماضي بحاضري ومستقبلي أنا الذي لطالما عانيت كثيرا من تلك الانقطاعات التي جعلت من بعض أجزاء حياتي بمثابة مجاهل وفيافي يضل فيها البصر ولا يدري أي طريق قطع، حقب كاملة كاني لم أعشها ولم أعد أدري ماذا فعلت فيها، فقط لتأتي تلك اللقاءات وتصل ما انقطع وترمم الذاكرة وتطامن من وساوس النفس وقلقها. أعلم اني سرعان ما سأعود من حيث اتيت مفارقا أصحابي وان الوحشة هناك مختبئة وراء الجدار تنتظر، واعلم اني على ذلك الطريق الجميل الذي تلتحم الأرض بالسماء على ناحية منه وتمتد الخضرة المزهزهة على الأخرى سأتأبط شرا وقلقا وحزنا وسأصبح والغول لي جارة فيا جارتا أنت ما أهولا!
لكني سأحاول على ذلك ان استمتع بالصحبة واجمع الزاد ليوم الرحيل مستسلما لتيار المودة والصداقة والألفة الهادر غير مبال بما سيكون لاحقا... على الأقل في الوقت الحالي!
*هذه القطعة الرقيقة من كتاب هشام مطر شهر في سيينا، أسرتني أول ما طالعتها عيني ثم أرسلت الفقرة كاملة إلى أصدقائي دون أن أشير إليها بوضوح فإذا بهم على غير اتفاق يتوقفون جميعهم عندها طويلا ويستشعرون ما بها من دفء ورقة غامرة، رقة الاطفال الصغار راح يجمع كل واحد منهم الأشياء الكثيرة مثيرة وباهتة، قيمة وتافهة، غالية ورخيصة ثم عاد ليعرضها على سائر اصحابه مترقبا متحمسا يملؤه الفرح والإثارة!




