"وهل تشجي الجياد المعاهد ؟"
مضيت للقائه كما اتفقنا في مكان عمله، أحب المرور عليه، من ناحية فإن ذلك يبعث في نفسي كثيرا من الذكريات القديمة التي تراكمت عبر أعوام طويلة امتلئت بالفرار من شرق القاهرة ووحشة الجامعة المعقمة الملقاة خارج التاريخ إلى دفء الصحبة والتمشيات الهانئة (الى حد ما) و الأحاديث التي لا تنقطع في ظلال القصر والروضة والسيدة، استعيد من ثم شيئا من ماضي وارمم تاريخي الشخصي لاسيما وقد اتسعت خروق الذاكرة وانقطاعاتها، ومن ناحية أخرى فإن صديقي وللصدف المثيرة يعمل و يدرس ويتحرك دوما في حاشية من التاريخ يتنفس روح المدينة (على رغمه في كثير من الأحيان 😅) ويشعر بنبضها أينما تلفت.
"هل تتقدم دائما ورأسك إلى وراء ؟"
امضي إليه لذلك وكلي انتباه لمفاجآت المدينة المحتملة، الجميل منها والمروع، انحدر في الخليج (سابقا، بورسعيد حاليا) وتيار المواصلات الهادر لا ينقطع من حولي، خليج هادر لم يزل رغم التحور في طبيعته، تتلاحق صور العمائر القديمة والأبنية المتداعية على الجانبين، أتوقف قدر الاستطاعة عند كل جامع وكتاب وسبيل ومأذنة حائلة، التفط الصور وأتأمل الخيالات المنبعثة من كل أثر و الحكايات المخبئة بعناية في كل ناحية، أدخر ذلك كله لحين آخر، أحاول قدر الإمكان تلمس روح المدينة إن كان ثمة شئ كهذا! وألاحظ خرائبها وانقطاعاتها متجلية على الإنسان والبنيان على السواء، ربما للبنيان قدرة على اختزان حكاياته في حجارته او طرازه أو موقعه وإن احتاج الأمر في بعض الأحيان للنبش والتدقيق.
" المدينة، على أية حال، لا تكشف عن ماضيها، إنما هي تحمله كخطوط الكف مكتوباً في زوايا الشوارع في أسلاك النوافذ، درابزينات السلالم والهوائيات ذات القضبان المشعة، وصواري الأعلام، تقابل ذلك علامات وأخيلة محفورة على كل قطعة ونقوش على الإدراج." كالفينو
تستوقفني قبل وصولي إليه تلك الجدارية الهائلة والباهتة كذلك على ظهر المبنى المتاخم للمستشفى، ماثلة هناك بمثابة عتبة تنزلق منها النفس إلى زمن ماض لم يعد ثم دليل عليه أو إشارة، إعلان لشركة توريد جرارات ما او بالادق توكيل محلي لها، أحاول البحث عنها على الانترنت فأتعثر بالشركة اليابانية وموزعيها فلا اجد شيئا عن الشركة المصرية، كنت قد قرأت مؤخرا عن تلك الجداريات الشبحية وما تمثله من حوار ممتد صامت بين المدينة وساكنيها، تخاطبهم من خلالها لكن رسائلها في كثير من الأحيان تحتاج جهدا لتبينها بأثر من العتق والتآكل والتعرية والانزواء، وقد يستحيل أحيانا فك تلك الشفرات وإعادة فهمها فتبدو كما لو كانت طلاسم مبهمة، رسائل ممررة من أجيال سبقت عبر تلك الجداريات التي تخاطب جمهورا لم يعد موجودا.
أراها فأرى فيها هياكل بالية ونصبا متناثرة كلما انغمس المرء في حياته وراقته ذكرته بمعنى من معاني الفناء والانبهام، المبهر في هذه الجدراية تحديدا هو مكانها الملاصق للمستشفى كما ذكرت، ما الذي يقوله ذلك عن أصحاب تلك الشركة وعن قصتهم المطمورة؟ هل تشي بانتهازية ما وطمع في أن يتلفت لها على الأقل اقارب المرضى واهلوهم ؟
لماذا الجرارات تحديدا دونا عن كل شئ يمكن الإعلان عنه في هذه المنطقة التي هي بدورها بمثابة ممر من الحياة والصحة للمرض واحيانا الموت، لا يخضع التراكم التاريخي لمنطق واضح يمكن تتبعه لكن الأكيد ان المستشفى في هذا المكان من قبل ذلك الإعلان ولا يمكنني في الحقيقة تخيل اي جاذبية للجرارات الزراعية لدى من هو مقبل على العلاج تلقيا او تقديما أو عيادة المرضى.
تستثير تلك الجداريات المهترئة الفضول، على غير وعد بإشباعه! فقط تمثل بوجودها البيني، ذلك الوجود الضامر، لتنتزع المرء من حياته التي يمضي فيها، فقط إذا انتبه لحضورها وأصغى لهمسها الخافت وما تلمح إليه من حيوات وآمال ورغائب وطموحات سابقة قد تداعت وخفتت حتى ابتلعها النسيان ولم يبق منها الا تلك الاشارات الحائلة.
قد يبدو الأمر بصورة ما (بدون افتعال او تكلف) سخرية من سعي المرء المجهد للتأقلم في الحياة والنجاح وانتهاز الفرص حتى لو كان الإعلان عن آلات لحرث الأرض على حافة المرض والموت حيث المرء أقرب لحراثة قبره لا أرضه، كل ذلك مآله للانزواء على هامش مهدر غير ملتفت إليه بل وحتى إذا التفت أحدهم إليه فليس في وسعه معرفة اي شئ عنه.
لم تكن تلك الجدارية الأولى من نوعها التي يرتطم بها بصري لكني لم أكن التفت إليها قبلا، كنت أمر عليها وامضي لحاجتي، فقط ذلك اليوم وبفضل السعي المتمهل للقاء صديقي ثم انتظاره ريثما ينهي عيادته كان لدي الوقت لأبصرها وأتأملها وأفكر في تلك الحكايات المتناثرة في طول المدينة وعرضها والتي مصيرها لهاوية النسيان في ظل حياة تؤز من حولنا ولا يسع المرء فيها أن يتوقف قليلا ليبصر ما حوله.
(الصورة من التقاط صديقي)
أفكر أن تلك الصحبة وامثالها هي بعض ما يحتاج المرء لفهم المدينة والتدسس لروحها والتعلق بها، لا يستطيع ذلك وحيدا مهما بلغ فضوله ومهما اتسع علمه، هناك دوما الحاجة للسؤال والجواب والحديث المتبادل الذي يستثير دفائن الاشياء وينبه العين والأذن، حتى ذلك الانتظار والذي هو بمعيار الحياة المتسارعة إهدار للوقت لكنه في ظلال الصحبة زمن خاص منفتح على كافة الاحتمالات الممتعة.
في مدينة كالقاهرة يبدو الأمر شاقا، من ناحية فلدى المدينة قدر هائل من الحكايات المتوارية و المتناثرة في كل جوانبها ولاسيما في قلبها النابض، حكايات ممتدة عبر قرون طوال تراصفت فيها الأحداث وتراكمت طبقات بحيث يصعب أحيانا استنفاد بعض منها فضلا عن استيفاءها لكنها من ناحية أخرى تبدو كأنها تلفظك وتحرمك الوقت اللازم او الاريحية الكافية لتبصر ما استودعته في ثناياها، كأنما تدعوك بيد وتطردك بالأخرى، يستحثك سحرها على السير في أرجاءها حتى ليود المرء أن يجوبها من أقصاها لأقصاها على الاقدام لكن ما إن تطأ قدمك شوارعها وتخطو فيها حتى يرهقك السير ويكدرك الحر والفظاظة والضيق والازعاج والازدحام الخانق.
(في هذا المقال الرائع محاولة لتتبع تلك الجداريات الطللية
https://scoopempire.com/adverts-for-the-past-cairos-retro-hand-painted-billboards)




