(ليس هناك شيء مثل تعلم لغة جديدة يمكنه أن يذكرك بكيفية تمكن العين من أن تكون خفيفة الحركة وطليقة، وكيفية تمكن اللسان من أن يكون عنيدًا وأخرق. في منتصف حصتي الثالثة، عندما أخذت الكلمات الجديدة تنهال علي في تتابع سريع، هالني الأمر وكدتُ أفرُّ هاربًا . بدا الأمر كأنني اصطدمت بحائط . مضى ذلك، يجب أن أتذكر هذا، قلت لنفسي. أُطلق سراحي ظهرا، رأسي يوجعني، فلم يكن من الواضح تمامًا لماذا كانت التجربة مزعجة جدا. لعل تعلم لغة جديدة تذكير لنا بعجزنا ذات مرة عن قول أي شيء أبدا، بانعدام الوسيلة التي تعيننا على نقل شعورنا بالجوع أو البرد أو الحيرة فحسب، وبعض ذلك الكدر يبقى فتُحييه مناسبات العجز عن التعبير.)
هشام مطر
كان ذلك ساعة الغداء، قلت شيئا ألمحت فيه لعجبي من أمر ك "أجنبي/ausländer"، للفظ عادة ظلال قاتمة من حيث استخدامه في بعض الأحيان للنبز والسب، ألقيته غير مبال، لم يخطر ببالي سواه ولم التفت لحمولته الكريهة، كان يمكن للامر أن ينطوي في ثنايا الحديث المسترسل دون أن ينال اهتماما، رحت احكي لهم قبلها عن الطريق الجديد الذي تعثرت به بين الحقول الممتدة والالات الضخمة المهجورة، طريق بدا في قلب اللاشئ! خضرة على مد البصر وبحيرة متوارية وبط يسبح وزهور مونقة وهم مصغون.
في الحقيقة لم يكن هناك توقف أو إشارة للامر لكني لاحظت زميلنا الالماني المتكدر المزاج دوما يخبرني بتعبير جديد من اللهجة البافارية ( يعلمون جميعا ولعي بلهجتهم وامثالها فينتهزون الفرص لإلقائها) وهو "Zugereist" وراح يشرح لي أنه الغريب الوافد على قرية من خارجها ثم قال أنه هو نفسه يعتبر غريبا على مدينتنا رغم انتماءه للاقليم البافاري، استلطفت الإشارة، لامس قوله قلبي وخفف من ثقل ما كان يعتريني من قبل، شعرت بالامتنان والسرور، لاسيما لما حاولت نطقها فتعثر لساني فإذا به يقول لا تقلق.. ستتعلم اللهجة.. معنا الوقت كله لذلك!
انفض المجلس وانقضى اليوم بعد ذلك وفي طريقي للبيت رحت افكر في علاقتي الملتبسة بهذه اللغة! ولهجة اهل ذلك الاقليم ومنهم أصحابي، منذ وطأت قدماي هذه البلاد وانا احاول تعلمها، كلمة بكلمة وحرفا بحرف رحت التقط اجزاءها، متتبعا اللافتات، أسماء الشوارع، الاشارات على الطرق، مناشير الخصومات في المحلات، افواه المارة ، اعلانات القطارات، ظهور علب الطعام، اللوحات الارشادية وغيرها كنت أضم الجزء الى الجزء واحاول كل ما أتيحت الفرصة ان اذلل لساني بها واتوق لليوم الذي ينطلق بها.
جرت مياه كثيرة في النهر منذ تلك المحاولات الأولى واصطكت تروس مخي وقعقعت مرارا في أحاديث مبتسرة وتواصل متكسر حتى قدمت على عملي الأخير، قال لي مديري العنيد منذ اليوم الأول لا للإنجليزية، كان يكن لها عداء مريبا، يحسن الحديث بها لكنه رفض أن نتعامل بها معا، أراد نفيها وحسم الأمر لصالح الألمانية حتى لو اقتضى ذلك تمتمة وغمغمة وتكرارا ومخاطرة بالفهم الخاطئ و تعطيل العمل من جراء ذلك واصر على أن أتعلم.
كان هناك رهان على شئ ما، على التكرار ؟ على الضجر ؟ على مرور الأيام والاعتياد ؟ كل ذلك وغيره جائز، لم اعترض من حيث المبدأ، هذا ما كنت أريد على اي حال، أبديت تخوفي وقلقي، ان تلقي كلمتين شئ وان تتحدث طوال اليوم شئ آخر، قال لي es ist noch kein Meister vom Himmel gefallen، كتبت وراءه، ليس هناك من يسقط من السماء خبيرا، لكني كل يوم كنت اشهد اللغة تتساقط علي وتسقط في حجري، التقط ما أستطيع واعيد توظيفه في حديثي، اضطربت مشاعري واختلطت، أرتفع في يوم الى عنان السماء، واهوي في اليوم التالي من حالق، أعوض عجز لساني بالابتسام حتى تقلصت عضلات وجهي، تعلمت فنون الضحك بغير سبب، وصرت خبيرا في ترصد الوجوه ومتابعة ملامحها لاعرف من خلالها ما اذا كان يفترض بي الضحك او العبوس، ادرب ملامحي على شئ من الغموض بحيث لا يبدو عليها جهلي ولا كذلك اني فهمت كل شئ، ادعاء الفهم مستفز على كل حال!
لطالما استمعت لشكوى من حاول تعلم الألمانية (حديث مارك توين المضحك عنها مثلا)، لم تكن يسيرة (لم تزل ههه) علي الاعتراف بذلك لكني كنت أحبها مع كل حرف اتعلمه، لم أدر هل صرت احبها حقا ام احب ذلك الشعور بفهمها، كانت الكلمات في اذني يوما بعد يوم تتفح كالازهار، ينقشع شئ من الظلمة ويطلع شعاع من نور.
تحمست لذلك، وتفتحت شهيتي، لم أعد ارغب في تعلم اللغة وحدها، طمعت في تلقي اللهجة، اللهجة البافارية العتيدة والتي ثم نزاع حتى يومنا هذا حول ما اذا كانت تستحق ان تعتبر لغة أخرى، تصورت نفسي سائحا يهبط مصر ليتعلم العربية ويفخر بنفسه كلما قال الله الوكيل مثلا كما ينطقها اهل الشرقية، رحت أمارس اللغة من ثم بالغمر وبفنون المحاكاة كما يفعل الصغار، اسمع الكلمة في موقف فأرددها في مثله دون حتى ان أعرف ما الكلمة أو كيف تكتب، حياك الله "grüß Gott" عند الصباح وفي رعاية الله "pfiat di" عند المساء، استلطف تلك الانسام الدينية المتسللة الى اللغة اليومية والمتسربة من بقايا حياة قديمة كان الدين فيها أقوى حضورا فانحسر مع الأيام.
أضيق أحيانا بعجزي عن الفهم الكامل وبالاخص ساعة الغداء حيث يعسر الإمساك بالسياق، يقفز الحديث قفزات غير منطقية ولا مترابطة ولا يخضع لغير الاسترسال والاستطراد، تتوه كل دلائلي وتتسرب من بين يدي العلامات التي حاولت اصطناعها، تصبح الوجوه قفارا خالية من كل هداية وعلى وجهي ابتسامة بلهاء امطها ما استطعت في محاولة للاختباء من العيون.
قالوا في يوم في ثنايا حديثهم gute Dinge will weile haben، كررت على نفسي وكتبت وراءهم، بالطبع لكل شئ أوان وكل جميل يحتاج وقتا ليبدو، تمرست بالصبر ولملمة التراكيب والجمل، ألاحظ المشابهات واتوقف عند الاشارات اللطيفة المختزنة فيها، كنا نتحدث يوما عن صديق يسكن بعيدا بعيدا في الطرف الآخر للمدينة، قال أحدهم انه يسكن حيث ينبت الفلفل! Wo Pfeffer wächst، ابتسمت ودونت وسألت، قالوا كان ذلك من أثر الزمن الأول لما كان الفلفل ينبت في الهند وكان ذلك أقصى الأرض بالنسبة إليهم، في بلاد الواق واق او عند جبل قاف مثلا.
(يحس المرء بالفضول والاستمتاع بهكذا ملامح وحفريات مازالت في مستعمل اللغة تحيل على فضاءات آخرى وأزمنة أخرى كان فيها للمسافات اعتبارها الواضح) وما دمنا في حديث الفلفل فإني أجد قولهم عن شئ ما أصل مشكلة معينة Hase im Pfeffer (الأرنب في الفلفل) غريبا، في حدود معرفتي فالتعبير مقتبس من وجبة يطهى فيها لحم الأرنب ويرش عليه الفلفل في صوص ما تقريبا، هل الإشارة كما لو كانت إلى وجبة مقدمة ناجزة.. إليك الأرنب في الفلفل.. إليك لب المشكلة واصلها.. بالشفا 😅 التحور مميز هل كانت الوجبة رديئة بحيث ترتبط عندهم بالمشاكل ام ثم شئ لا افهمه، هذه قضية محسومة كما يقولون ist gegessen (قد أُكل بالفعل) ثم الكثير مما هو منتزع من الطعام او يمت إليه بصلة، كلفظ schmarrn مثلا، ستجده في الوجبة البافارية المشهورة (Kaiser schmarrn) ضرب من البان كيك المقطع مكرملا محلى بالسكر الأبيض ومصحوبا بمعجون التفاح او التوت، schmarrn كذلك لفظهم الأثير للإشارة للهراء واللامعقول، هراء القيصر كوجبة.. هاه.. مثير!
في ذلك السياق أيضا أجد قولهم لما تحدثوا عن صديق له في كل شئ باع وذراع فقالوا هو كمثل هانز يصاعد له بخار في كل زقاق Hans Dampf in allen Gassen الا يرتبط بالطعام كذلك ؟ ام لعلي أفوت شيئا! لست أدري.. في كل ذلك يغمرني الجذل واترقب تلك اللحظة التي لطالما منيت نفسي بها،أن أقرا شيئا من الادب الألماني واشعاره.
في كتابه “رائحة الزمن” يتحدث بيونغ تشول هان عن الحاجة الملحة إلى الشعور بالزمن وامتداده في مواجهة الاتجاه العارم لنفيه من الحياة الحالية، ذلك الاتجاه الذي يفرض على المرء منا زمنا مفتتا إلى نقاط منفصلة نقفز من واحدة لأخرى دون أن نعرج على تلك المسافات البينية (الفترات الزمنية بين الأحداث، ارض موات، خلو من الأحداث سرعان ما تسقط فيها النفس في بئر البلادة والخمول كما يقول) والتي بدونها لا تتشكل الذكريات ولا تتراكم الخبرات ولا تتكرس المعارف، تسوخ أرجلنا من ثم في رمال متحركة من تحتها، ولا يعود لشئ من رائحة مميزة تتكثف فيها الذكريات والعوالم المختلفة.
لا ينبغي للمرء إذن أن يفر من الزمن وإن بدا ثقيلا وإن اشتدت وطأته وثقلت أو نمت في ظلاله بعض المشاعر المزعجة، بقدر ثقل ذلك بقدر ما يصوغ من حياة الإنسان ويصبغها ويضفي على تجربته ثراء، اذ ان الحياة كما يقول تغزل من تلك الأحداث وخيوطها مثناة مثناة ومثلثة نسيجا فريدا من نوعه لكل فرد تتحدد به هويته ويتعرف به على نفسه ويجني به لاحقا الجمال الحقيقي الذي لا يبدو إلا على الوقت “الجمال مدين لامتداد الزمن.. إنه ليس اشراقا لحظيا ولا انجذابا مفاجئا ولكن إشعاع/تجل لاحق”، هكذا أحس باللغة وتفاصيلها الثرية والتي أحس بها في نفسي نبتة ألقيت بذرتها ساعة الوصول ولم تزل تتعاقب المواسم عليها وهي تنمو شيئا فشيئا، ببطء وأناة، مع كل زهرة مفاجئة بهجة مجددة ومع كل ورقة ذابلة شئ من حزن، من هذا وذلك تتألف الذكريات وتتشكل الحياة.
أفكر في ذلك إذ أتذكر تلك اللحظات الثقيلة التي خامرني فيها الشك من قدرتي على المواصلة فضلا عن إجادة التعبير عن النفس، لحظات تمنيت فيها لو انطوى الزمن ووثبت إلى تلك اللحظة الكاملة حيث تنزلق الكلمات من على أطراف اللسان بسحر ووهج ناقلة أدق الخطرات و الأفكار و المشاعر، لحظة لا تقوم فيها اللغة عائقا عن التواصل الإنساني الذي يحتاجه المرء أشد الحاجة وأعنفها لاسيما حين يندر الأصدقاء وتنأى المسافات وتتصل الغربة، لحظات كان يخيل لي فيها أحيانا أن ادراك تلك اللحظة الكاملة كفيل بنفي الوحشة والتخلص منها، لم أكن أفكر كثيرا في ان لحظات التعثر تلك هي بالأصل ما ينفي الوحشة ويقرب المسافات، المحاولات الدائبة والتتعتع وتسطيح المشاعر لدواعي فقر اللغة واللغوصة في الكلمات، كل ذلك هو ما يصنع الأنس لا لحظة متوهمة من الكمال.
أقول مضت الأيام، حاولت في يوم مع هرمان هسه، تذكرت قصيدته الجميلة "المراحل" والتي فتنتني حين قرأت لعبة الكريات، بحثت عن الاصل الألماني ورحت اقرأه، لم افهم شيئا، حاولت من جديد، لم افهم كذلك، فرجعت للترجمة العربية وحاولت من جديد،
Wie jede Blüte welkt und jede Jugend
Dem Alter weicht, blüht jede Lebensstufe,
Blüht jede Weisheit auch und jede Tugend
Zu ihrer Zeit und darf nicht ewig dauern.
Es muß das Herz bei jedem Lebensrufe
Bereit zum Abschied sein und Neubeginne,
Um sich in Tapferkeit und ohne Trauern
In andre, neue Bindungen zu geben.
Und jedem Anfang wohnt ein Zauber inne,
Der uns beschützt und der uns hilft, zu leben.
"كما تذبل كل زهرة ويفسح كل شباب
مكانه للشيخوخة، تزهر كل مرحلة من مراحل الحياة،
تزهر كل حكمة وكل فضيلة
في وقتها ولا تدوم إلى الأبد.
يجب أن يكون القلب مستعدًا عند كل نداء من الحياة
للوداع والبدء من جديد،
ليتشبث بشجاعة ودون حزن
برباطات جديدة أخرى.
وكل بداية تنطوي على سحر
يحمينا ويساعدنا على العيش. "
قرأتها مرارا وانا اعيد الترجمة مع كل مرة، قلت لنفسي لا بأس، يزهر كل شئ في وقته، عدت اليهم في اليوم التالي اسألهم عن هيرمان هسه، فوجئت بقلة من يعرف شيئا من شعره، ضحكت من نفسي لاحقا وتصورت رجلا يمشي في مصر يسأل الناس عن شعر المتنبي او احمد شوقي مثلا ويعجب منهم إذ لا يعرفونه، ارجأت الشعر، قلت لنفسي يحتاج الأمر تملكا للغة حتى يستطيع الفهم والتعامل مع بيان عال كالشعر!
(حاولت ترجمتها لاحقا
كمُونق الزهور .....تنسل من رُواءها...تعانق الذبول
كفائر الشباب...يبسط من ردائه لمقدم المشيب
كحكمة الحكيم..
كشيمة النبيل..
تشرق في إبانها..
تَعَاقب الأدوار....من هذه الحياه
لكنها... لكنها..
لكنها تدول ليس لها دوام
فارتقب النداء..
يا قلبُ واستعد..
لكل توديعٍ...وميلاد جديد
واستنفر الإقدام..
مع الأسى الشفيف
بلا عتوٍ من نوازع الشجون
فطي كل مبدأٍ سحرٌ يحفنا
ونشوة تشد أزرنا
في ساحة الحياه)
انغمست بصورة أكبر، صرت افهم شيئا فشيئا قدرا أكبر، ينطلق لساني بصورة أسلس، اعك في النحو واخبصه خبصا واصنع منه عجينة ولا ابالي (استعنت بحكمة صديق أوصى بترك التأني في مراعاة أدوات التذكير والتأنيث وأنواع المفاعيل اللعينة؛ قال ارمهم بما يأتي على لسانك، تخرب بالطبع الحساسيات الجندرية ويختلط الحابل بالنابل وتتحقق المساواة في الخطل والعك) ، يصحح لي المتحمسون منهم لكن اليأس إحدى الراحتين، كانت لغتي تتحسن بالفعل لكن القواعد لعينة على كل حال ولا حيلة معها.
ربما كان الشئ الالطف على الإطلاق حينها ذلك الزميل الرقيق الذي كان يصل كل ما انقطع من قولي بفطنته، يفهمها وهي طايرة، يلتقط الاشارات ويتفهم المقاصد والصورة الكاملة ويبحث عن المعنى وراء ضباب الابهام والعجمة، كان ذلك يمسح على قلبي وارى فيه الطف صنائع البشر (صرت أدرك دعوة سيدنا موسى واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، هو لسان معقود بالفعل، تختمر المشاعر ويحاول العقل ان ينشط من عقاله فإذا باللسان معقود، تتعثر عنده الكلمات والمعاني و الأفكار، اصرت من هنا افهم شعوره ويضيق صدري ولا ينطلق لساني بصورة أفضل، ادراك من يحس بضيق الصدر والاختناق من الكلمات المحبوسة والمعاني المهدورة والمشاعر المسفلتة من أثر فقر اللغة، شئ يكاد يذهب بالعقل.. لولا الأمل واللطف)
انصرع المصححون واحدا تلو الآخر، بعضهم يفهم بالفعل عني ويستعين بالسياق على عكي وبعضهم استسلم ولم يبق غير واحد لم تفتر عزيمته بعد، احاول التفكير فيما يسمع مني وكيف يتلقاه وما الذي تبدو عليه لغتي التي اكررها على مسامعهم، هل تمنعهم اخطائي حقا من الفهم ؟ كنت أحسها أخطاء صغيرة لا باس بها ولا ينبغي أن تعوق عن الفهم! لكن بمرور الايام تكشف ان ثم اناسا اذا غيرت حرفا لم تعد لتعرف ما تقصد،ثم نقص في ذلك الذكاء الاجتماعي والنباهة!
يحتاج الأمر لمزيد من الصبر، أقول لنفسي كما قال عبد الحكيم قاسم
"كان لدى إحساس ريفي قديم بأن ما أرى ليس هو الحقيقة وأن الحقيقة خلف هذا وهي غيره، وأنا عندي بلادة ريفية تجعلني أعجز من أن أستنطق الأشياء سرها بحذق ومهارة، وأنا لا أنقم على نفسي هذا ولا أرجو له تغيرا، إنما أداب على أن أقعد جنب الشيء محبا صموتا حتى يفصح عن سره، يلقيه في حجري كثمرة فات نضجها، ولقد كنت هكذا دائما أقعد طويلا جنب الأشياء والمدن، خمس سنوات في ميت غمر، ست سنوات في طنطا خمس سنوات في الإسكندرية، ثلاث سنوات في قلب الشيوعيين في الواحات، سبع سنوات في القاهرة، هل لخص لي هذا مصر ..؟ إلى حد كبير، جعلني أحبها، إنها حياتي، حياتى كلها حقا، ولقد كانت برلين لغزا رائعا، ولم أكن أبدا لأتعجله أن يلقي في حجرى ثماره، ولم أكن بالذي يلقي عليه نظرة ويمشى، رأيت الأوبرا، حضرت الكونسرت ودرت بالمتاحف والمعارض، وعبرت الحدود إلى برلين الشرقية، وكان كل هذا رائع.. لكنني كنت أقول دائما أريد أن أبقى ... وبقيت."
صرت أدمن الدق على باب اللغة، كل يوم أحاول الاقتراب وأقول اليوم اليوم افهم، اقرأ ريلكه واسمع شعره واقول لو استطعت اليوم فهم سطرين او ثلاثة فما أجمل الحياة وما ابهجها، أتناول مراثي دوينو، استمع للمرثية الرابعة ويكاد قلبي ينفطر من هذا الجمال المتدفق الحزين،
Blühn und verdorrn ist uns zugleich bewußt.
Und irgendwo gehn Löwen noch und wissen,
solang sie herrlich sind, von keiner Ohnmacht.
We wither as we blossom,
knowing both states at once.
Somewhere lions roam,
knowing nothing of weakness
in the hour of their majesty.
استمع لرنة الايقاع وتتسرب المعاني الى نفسي، تمتزج في داخلي السعادة بالفهم والحزن للمعنى المقصود (اقول لنفسي معللا سأكتب لابد عن مراثي دوينو.. لابد) ، افكر ان الطريق مازال طويلا وان اللغة مازالت غريبة لكني لا اثقل قلبي بتلك المخاوف، اقول لنفسي ان طواحين الرب تطحن ببطء ولكن بثبات..






