لأبي عثمان في كتابه الحيوان عروج في سبحات الجمال واغتراف من خزائن ثرية هي معرض بهي مبهر لما اختزنته تلك النفس الطلعة في حياتها الطويلة. وهو إذ ينهج فيه سبيلا رحبا في الحديث عن طبائع الحيوان وأنواعه وتدبيره في حياته ومعيشته يطالعك من حين لآخر بلوحات فنية ممتعة اقتنصتها عينه اللموح وترجم عن باصرته بيان مطواع وألفاظ ذلل.
تعجب أولا لحيوية تلك النعوت وما فيها من قوة ودقة ثم تعجب من المعاني الكامنة في تلك اللوحات وقدرة تلك النفس على الأناة والتأمل والتوقف ازاء مشاهد الحياة المألوفة لنا جميعا.
تجده مثلا يتناول عناية الحمام بأفراخه الصغار فيروح يرسم لك ويتتبع بنفاذ قلب ورهافة حس مراحل تلك الرعاية بتفصيل دقيق بناء عش واحتضانا وزقا واطعاما حتى تنهض تلك الافراخ فتكسب لنفسها. مشهد آخر يتتبع فيه ما يثبته من حب العصافير لصغارها وكيف تدفع بأنفسها للهلاك كي تحفظهم وتقيهم عدوان من يرومهم بأذى. وغيرها من المشاهد الحية النابضة والتي يتوقف ازاءها المرء طويلا متسائلا عن طبيعة تلك الروح.
يمكن بالطبع تتبع بذور كثير من ذلك الولع بالحيوان عند أبي عثمان لدى أستاذه النظام وفي تجارب الامير العباسي محمد بن علي بن سليمان الهاشمي ويمكن كذلك تتبع نظرات المتكلمين في طباع الحيوان في زمنه لكن ما فاق به أبو عثمان سواه أنه أبعد في كتابه الشوط وبلغ غاية المدى ذلك أنه جمع الى الحرص على تتبع الفرضيات الشائعة في زمنه من خلال التجارب المباشرة سؤال أهل تلك الفنون المختلفة سؤالا مستفيضا مستقصيا يستبين فيه المرء طبيعة أبي عثمان الفضولية والتي تبدو كأشد ما تكون في ولعه بالحيل المختلفة يتحرى عنها ويثبتها ولعل ذلك ما حدا بعض الناقمين عليه فيما بعد لاتهامه بتعليم الناس اللصوصية والحيل لكن أنى للنظر المتعجل أن يستوعب فضول تلك الروح الضخم.
هذا الفضول الذي حمله على تتبع غرائب ولع الناس من حوله في أبواب غريبة للغاية لعلها لا تستوقف سواه كمثل ولع بعض من عرفهم بالروائح الغريبة وحرصه على إثبات تلك الاستلذاذات العجيبة أو حرصه على تتبع بعض ظواهر الاجتماع في زمنه بالنظر والفحص وطلب العلة كمثل ما حاول في تفسير أحوال الرعاة المعزبين في البوادي وغيرها من الظواهر الكثيرة.
ثم أنه جمع إلى ما سبق اطلاعا ضخما وثقة بالنفس تجعله يورد من حين لآخر أحاديث أرسطو كما يسميه صاحب المنطق ثم يعقب عليها بما تجمله جملته العبقرية حفظ مروءات الكتب وذلك بالتثبت و المعاينة والشهود في إثبات الأحاديث أو على الأقل اثباتها مع نسبتها لرواتها والتبرؤ من تبعاتها.
وذلك أيضا بعض من منهجه في التأليف والذي حمل من بعده على اتهامه بالكذب وهو غير صحيح لكنه كثير النقول و الإيراد لمختلف الاقوال والتي قد يطول نقلها ولا يعقبها بالنقد أو التمحيص إلا بعد كثير من القول يتوه فيه العجلان، من هنا يبدو أبو عثمان كشيخ كبير لديه الكثير ليقوله ويحتاج من قارئه صبرا وطول بال واذنا مصغية وهو يعد من يمنحه قلبه بحديث عذب متمازج الجوانب نادر المثال لكنه يطلب إليه الصبر.
ومن لطيف ما يستبين في نهج أبي عثمان أنه يحرص اشد الحرص على مراجعة كثير مما يشيع في زمنه في تفسير الظواهر المتعلقة بالحيوان وبقدر جهده وحرصه فإنك لا تلبث أن تشفق عليه إذ تراه لا يؤتى في الكثير إلا من افتقاده الأدوات اللازمة والتي لم تتيسر إلا في ازمنتنا رغم ذكاءه وحدة ملاحظته وتحريه.


