(١)
“طال تعجبي في الموت وذلك أني صحبت أقواما صحبة الروح للجسد من صدق المودة فلما ماتوا رأيت بعضهم في النوم ولم أر بعضهم وقد كنت عاهدت بعضهم في الحياة على التزاور في المنام بعد الموت، إن أمكن ذلك، فلم أره في النوم بعد أن تقدمني إلى دار الآخرة فلا أدري أنسي أم شُغل.”
ابو محمد بن حزم رحمه الله في واحد من أرق خواطره وأغربها.
شيخ فان قد طوحت به الدنيا والأيام ثم هو على شفا يتأملها إذ تغيب وتضمحل شمسها فلا يراها إلا كخيال الظل لا تبدو صوره إلا لتتلاشى وتنمحي.
مرارة هائلة وحزن مقيم وتغرب في بقعة نائية، في بادية بعيدة عن كل طارق ثم ينشق وعيه عن صحب خالطهم في الزمان الأول وأنس بهم وانسوا به.
تقاسموا لذاذات الأيام وصفوها وابحروا بعيدا بطموحهم وامالهم حينها، وبينا هم مجتمعون قد رسخت بينهم المودة وطابت لهم الأيام باللقيا إذا ببعضهم ولعله ابن حزم نفسه تطرقه خواطر السوء من خشية الفراق وتقلب الحدثان وتبديد الأيام لكل شمل جميع فيضطرب صدره ويفضي إليهم بما جال بخاطره فيهون عليه ذلك الذي عراه واحد من أولئك الرفقة لطيف الروح ذكي الفؤاد رقيق النفس معروف بينهم بقلة احتفاله.
ربما هو ابن شهيد..
وما ضير الموت وما يحل مما انعقد بيننا؟ ألسنا نقهره بالخيال؟
ألا يسعنا أن نفض حجب الغيب الملثمة عن أسرار العالم الآخر ؟
فإذا كنا على ذلك قادرين فاني أعاهدك أن يوافيك طيفي لينبيك من أحوالي وما صنع الله بي فتطيب نفسا وتذهب وحشتك وتعلم أنا معك لم نزل وإن زالت اعياننا فيستملح الجمع تلك الفكرة ورغم طرافة قول صاحبها وما عهدوه عليه من فكاهة فإنها وقعت من قلوبهم جميعا موقعا حسنا وكانوا جميعا في شرة الشباب وفتوته فما بالهم لا يتخطون الموت بأطيافهم.. فيقر صدر صاحبنا ويذهب عنه شئ مما وجد.
ثم تنفض الصحبة وتفرقهم يد الاحداث والحوادث ويعتل ابن شهيد ويشفي على الموت فيخشى أن تفوته الأيام دون لقيا الصحبة القديمة ولاسيما خليله الأثير ويذكر ما تعاهدوا عليه فيدعو خادمه ليملي عليه :
ولما رأيت العيش ولى برأسه، وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي
تمنيت أني ساكن في غيابة بأعلى مهب الريح في رأس شاهق
أذر سقيط الحب في فضل عيشة وحيدا وحسي الماء ثني المفالق
خليلي من ذاق المنية مرة فقد ذقتها خمسين قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفز قديما من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي،يدا في ملماتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارق ، وحسبك زادا من حبيب مفارق
فلا تنس تأبيني إذا ما فقدتني وتذكار أيامي وفضل خلائقي
فلي في إدكاري بعد موتي راحة فلا تمنعونيها علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدمت ذنوبي به مما درى من حقائقي
يتم ابن شهيد ابياته ويسأل غلامه أن يدفعها لصاحب البريد عساها تبلغ صاحبه قبل فوات الحين وطروق الأجل.
يتذكر أبو محمد جيدا تلك الخفقة التي اضطرب بها صدره وتلك اليد التي اطبقت على عنقه لما بلغته تلك الابيات ثم ينهل دمعه وهو البكئ الدمع وطالما شكا جمود عينه لكنها في ذلك اليوم اسمحت قليلا، كان مرتبكا تناول القلم ليخط ابياتا يرد بها على صاحبه عسى أن تبلغه لكن ما يدريه ألا يسبق رسولَه رسول الموت، تتدفق الابيات على خاطره وهو الذي ما استعصى عليه يوما قرض شعر فيكتب :
أبا عامر ناديت خلا مصافيا ... يفديك من دهم الخطوب الطوارق
وألفيت قلبا مخلصا لك ممحضا ... بودك موصول العرى والعلائق
شدائد يجلوها الإله بلطفه ... فلا تأس إن الدهر جم المضايق
ورب أسير في يد الدهر مطلق ... ومنطلق والدهر أسوق سائق
سفينة نوح لم تضق بحلولها ... وضاق بهم رحب الفلا المتضايق
فإن تنج قلت الحمد لله مخلصا ... فمن أعظم النعمى بقاء المصادق
ثم لما أتم بيته الاخير أيقن أنها محض أمنية وسراب تعزية يحاول بها أن يعين صاحبه ولكن هيهات فإن علة أبي عامر توشك أن تسلمه ليد الموت يطوي رقعته على ما فيها ويستودعها بيت كتبه مع سائر ما لديه من رسل الأحبة والصحب ممن تفارطتهم الأيام.
“إيه يا أبا عامر ما نسيت والله تأبينك وهانا ذا افقدك فلا ترد علي الذكرى شيئا، لكن تذكار أيامك وفضل خلائقك راسخ بقلبي عامر به صدري يا أبا عامر.” يتذكر ذلك كله وهو الذي ما نسي راحلا ولا غاب عن فكره حبيب أو قريب.. “إيه يا أبا عامر جددت ذكراك حزنا قديما ساربا في النفس.. “
تلك النفس التي عاونت عليه الأيام هذه تسلبه أحبته وصحبته وأهله ودهره وتلك تتلقى الجراحات فتركمها لا تبرأ ولا تغيض، لكنه يساءل نفسه مرارا وقد ارهقه الفكر واهمه الحدس ودارت به الظنون في كل واد اطاق أن يحملها إليه عقله وقلبه.. لم يرى بعضهم ويغيب بعض؟.. لم يأتيه أبو بكر وابو المغيرة وابو عبد الله ثم ينقطع عنه أبو عامر وهو هو الذي عاهده حينها على اللقاء وهون عليه الفراق والغياب...
آه لشد ما حيره الموت وارهقه التفكير فيه.. لعله نسي! أو شُغل! ... لعله ولعله..
"وكذلك أنا في السلو والتوقي، فما نسيتُ وداً لي قط…
وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء، وقد استراح من لم تكن هذه صفته.
وما مللت شيئاً قط بعد معرفتي به، ولا أسرعت إلى الأنس بشيء قط أول لقائي له، وما رغبت الاستبدال إلى سبب من أسبابي مذ كنت، لا أقول الألاف والإخوان وحدهم، لكن في كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ذلك.
وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجي يعتادني وولوع هم ما ينفك يطرقني.
ولقد نغص تذكري ما مضى كل عيش أستأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا. والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو"
**********
(٢)
كمثل اجتماع السحب في الأفق مثقلة بماءها متراكمة حتى تضيق بما حملت فترسله، وكمثل الأرض لا تزال تتسع للماء ينغل في باطنها محتملة كريمة حتى تتفجر عيونا يبدو الإنسان كذلك.. لكنه بالأمانة القديمة التي اختار حملها وفارق بها سائر الكائنات تتسع عنده دلالات تلك الدورة ومعانيها وتكسب من فوران الحياة فيه ثراءها فتجتمع فيها معاني الرحمة والرقة والحزن والخوف.
ثم تصبح من بعد ذلك كله إلفا له وروحا يأوي إليه كلما عي لسانه المبين وضاقت العبارة عما يثور في النفس، كأنما ينخلع في تلك الساعة من شقشقة لسانه وامتيازه من سائر المخلوقات ليتوحد بها ويشاركها دورتها القديمة وخلقها الثابت على كر الأيام. ينعتق بالبكاء من أسر الأرض وتطفو روحه سابحة خفيفة إذ يزيح الدمع المنهمر ما اعترضه من أثقال تقيدها وتربطها وتحد عليها جهاتها. فهو يشارك اللسان في بيانه وراحة بوحه وتطهره مما يئوده.
لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد، أو يشفي نجي البلابل
ذو الرمة
ولعل هذا بجانب أشياء كثيرة مما يعطفني على أبو محمد بن حزم ويقربه من قلبي ذلك أنه على ما أوتي من جلد وصبر ونفاذ فكر وجرأة قلب إنما حُرم البكاء فكانت عينه كما يصفها جامدة شاخصة لا تندى، وقد يهون ذلك على سواه لكن يضيق الصدر كلما استعاد تلك الحياة الحافلة بالمطاردات والنكبات والتوديع و الهجران والفراق والآلام، مع كل تلك الواردات فقد امتنع الدمع وشق عليه.
اتخيله في مكان سيدنا موسى إذ يضيق صدره ولا ينطلق لسانه فيقول رب واحلل عقدة لي من لساني يفقهوا قولي، يارب عقدة لساني.. اتمثل أبو محمد يناجي ربه يارب عقدة دمعي وبكائي.. وإن كان من نصيب سيدنا موسى وزير من أهله يشتد به الأزر وينحل العي فمع ابن حزم من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عينا للبكاء تعار! فكان وزيره لسانه!
“وأنه هو أضحك وأبكى.. وأنه هو أمات وأحيا..”
أقرا طوق الحمامة والسير فأحس تحت تيار الكلمات المتدفقة لذعات الألم واجد نداوة الدمع بين يدي، كأنما لما ضاقت به الحيلة شرع يبكي بكاء الكلمات لعلها تسعف أو تسعد أو تشفي من نجي البلابل وانى ذلك مع الف هموم ما تزال تعوده، عيادا كحمى الربع أو هي أثقل كما قال الشاعر القديم. أحس مع حديث ابن حزم بصديق بعيد يشكو برح الأيام به ويبكي بين يدي فأصغي إليه وامنحه قلبي كله واتونس به وأحب أن أعود إليه من حين لآخر.
“والبكاء من علامات المحب ولكن يتفاضلون فيه، فمنهم غزير الدمع هامل الشؤون تجيبه عينه وتحضره عبرته إذا شاء، ومنهم جمود العين عديم الدمع، وأنا منهم.
وكان الأصل في ذلك إدماني أكل الكندر لخفقان القلب، وكان عرض لي في الصبا، فإني لأصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطر ويتقطع، وأحس في قلبي غصة أمر من العلقم تحول بيني وبين توفية الكلام حق مخارجه، وتكاد تشرقني بالنفس أحياناً ولا تجيب عيني البتة إلا في الندرة بالشيء اليسير من الدمع.
ولقد أذكرني هذا الفصل يوماً ودعت أنا وأبو بكر محمد بن إسحاق صاحبي أبا عامر محمد بن [أبي] عامر صديقنا - رحمه الله - في سفرته إلى المشرق التي لم نره بعدها، فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه وينشد متمثلاً بهذا البيت:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بباقي دمعها لجمود
وهو في رثاء يزيد بن عمر بن هبيرة رحمه الله، ونحن وقوف على ساحل البحر بمالقة، وجعلت أنا أكثر التفجع والأسف ولا تساعدني عيني.”


