الفلفل الذي أودى بالسلطنة
عن السلطان التاجر والمؤرخ الضجر والغبار والهذيان وفنون الحكم والسكر والفلفل والحماقات التي لا دواء منها ومفاجآت العالم والتاريخ التي لا نهاية لها
(مراجعة رواية طلال فيصل جنون مصري قديم واللوحة موكب الأرواح للويس ويلدن هوكينز )
دمن ألم بها فقال سلام كم حل عقدة صبره الإلمام
نُحرت ركاب القوم حتى يغبروا رجلى، لقد عنفوا علي ولاموا
وقفوا عليّ اللوم حتى خيلوا أن الوقوف على الديار حرام
ولقد أراك فهل أراك بغبطة والعيش غض والزمان غلام
اعوام وصل كان ينسي طولها ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر اردفت بجوى أسى فكأنها اعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
أتضعضت عبرات عينك أن دعت ورقاء حين تضعضع الإظلام ؟
لا تنشجن لها! فإن بكاءها ضحك وإن بكاءك استغرام
أبو تمام
(لا يعزيه شيء سوى انتظار اللحظة المناسبة، وقراءة كتاب المقريزي مساءً قد تحصل لنفسه على نسخة رغم ثمنها الباهظ ؛ هذا رجل يعرف كيف يتحرك المال من يد ليد، يقرؤه كما يقرأ عاشق قصيدة شعر، ويقف معجبا أمام هذا الاصطلاح الذي صكه في زمن قديم، رواج الفلوس؛ أن يصير المال مجرد حمولة ترن في الأكياس بلا قيمة ، طالما أنك لا تجد شيئًا تشتريه به.)
جنون مصري قديم
أطوي الكتاب وقد استبدت بي رغبة حارة في البكاء لا أدري سببها تحديدا، ربما لمشهد وداع العجوز لابنته في نهاية الحدوتة، ربما للخوف والجزع من ذلك العجز عن التواصل مع الأبناء رغم القرب الحميم، ربما للانتهاء من صحبة طلال ومعه أصدقائنا المشتركين القدامى المقريزي وابن حجر وابن تغري بردي وحواديتهم عن ذلك الزمان، من جديد لست أدري!
أستعيد سعادتي حين علمت بصدور الكتاب وتصادف ذلك مع زيارتي الأخيرة لمصر، تضاعف سىروري حينها إذ عنى اني لن أضطر للانتظار طويلا حتى أحصل عليها وأقرأها وبالفعل سرعان ما اتحصل عليها لكني وبمشقة انحيها جانبا ادخرها للعودة، أريها لاخي الصغير ونشرع في الحديث معا على طريقنا للصلاة عنها وعن تاريخ القاهرة في ذلك الزمان وعن أزمنة المماليك بعامة وعمارة المساجد والخوانق والمدارس وصورة المدينة التي ما بقي منها سوى ظلال باهتة.
تخطر لي في ثنايا حديثنا خاطرة ينشرح لها صدري وأنتشي بها طربا وسرورا، أقول لاخي أحس ان روح القاهرة بطريقة ما وبدون مبالغة تنتفض وانها ت fight back، تأمل معي هذه الحركة القوية من التعريف بآثارها وعمائرها ومدافنها والتي نشطت على صورة مقالات وفيديوهات وكتب وروايات كرد فعل على ذلك التهديم المتواصل في أرجائها والذي انبعثت له الشياطين الحقيرة، اقول له و لنفسي قارن كيف كنت تشعر بالمدينة وآثارها وتاريخها من عشر سنوات مثلا وكيف أصبحت اليوم معلقا بها عارفا بنواحيها وتفاصيلها إلى حد ما، هذه ارواح ابن عبد الحكم والصفدي والمقريزي والسخاوي والسيوطي وابن حجر وابن إياس والجبرتي، هذه ارواح المؤرخين الكبار تتبدى من جديد لتجدد صلاتنا بالمدينة العتيقة وبكل ناحية منها، وهذا بحد ذاته مما ينعش النفس رغم كل شئ.
أسافر عن القاهرة من جديد بعد إجازة قصيرة حاولت فيها رغم كل شئ توثيق صلتي بالمدينة قدر المستطاع سواء بالتجوال أو الحديث او بتحصيل شئ مما كتب عنها، أعود للخريف الشمالي واشعر بشئ من الحزن يثقل قلبي ويهبط به في صدري لاسيما حين أحاول الكتابة عما شهدت في جولاتي بالمدينة وما عاينت من روحها المثقلة، تفاجئني العبارة التالية في مطلع الرواية “قاهرة لا تشبع من السلاطين و الفقراء والغبار والهذيان” أحس بكل كلمة في ذلك الوصف واسرح معه مليا ومع تلك الرغبة العنيفة لخوند السلطان ترجو احتراق المدينة، تتأرجح مشاعري بين موافقة الخوند وبين الإشفاق على مدينتي التي أحبها رغم كل شئ!
على كل حال أمضي مع الرواية مستمتعا ومرهقا واحس بنفسي كمن يمسك بزمام جوادين يسعى كل منهما لغاية بالضد من الآخر، وهو لا يملك على ذلك إلا الإمساك بهما معا دون افلات أحدهما، جواد التاريخ كما دونه أصحابنا القدامى وكما تناثرت تفاصيله في صحفهم منطبعة برؤاهم وجواد الخيال الجموح الذي وإن وافق الآخر في الاصل ومبدأ الطريق فإنه لا يلبث حتى يفارقه بين الحين والآخر، اجد من ذلك عنتا ومتعة، اقرأ السرد الجديد ثم أثب لما كتب المقريزي وابن حجر، يفتنني بشكل خاص تتبع وثبات الخيال وخيوط الأفكار، كيف يتناول الروائي مادته ويعيد إنتاجها وصياغتها، كيف تحكي الحدوتة، البراعة هنا بظني ليست ان تعيد تفسير التاريخ او تأويله او تجلية غامضه او حتى استقاء العبرة منه (وكل ذلك جميل ولا غبار عليه) لكني هنا لأجل الحكاية والحدوتة وتفاصيل روايتها وقصها مع ملاحقة الأصول التاريخية، كيف تنعكس كذلك شخصية الراوي واسلوبه وروحه على الحكاية، كيف تتمثل في تعليقاته في سرده فيما يقدمه او يؤخره ما يبديه او يستره وغير ذلك من تفاصيل.
من هنا كان تفكيري لماذا احتاج طلال لمساري الحدوتة معا ؟ مسار المؤرخ العجوز الذي يحاول كتابة الرواية ومسار الأوراق التي يتعثر بها وصاحبها المؤرخ القديم ؟ هل كانت الأوراق تلك ذريعة لتمنحه إمكانية اللعب باللغة والسرد ومحاولة محاكاة تلك الاساليب المملوكية القديمة ؟ ام لأجل ان يقدم رواية شاهد عيان يبدو لنا كمن لابس الأحداث وعاصرها لا كمؤرخ تفصله عن حرارتها قرون طوال فمهما يكن من حبه للتاريخ فهو في النهاية غير متأثر بها وبمحركيها وقراراتهم الرعناء ؟ ام هي في ناحية منها تحية خفية للمقريزي وإعجاب به ؟ افكر في مجموع ذلك لاسيما حين أقرا افتتاحية الأوراق وصداها الذي استثار مشاعري القديمة تجاه كتاب المقريزي الرقيق والجميل وروحه الشجية “درر العقود الفريدة” حيث يقول في مطلعه
“وبعد : فإني ما ناهَرْتُ من سني العُمُرِ الخمسين حتى فَقَدْتُ مُعْظَم الأصحاب والأقربين، فاشْتَدَّ حُزْنِي لِفَقْدِهم، وتَنَغَصَ عَيْشِي من بَعْدِهم، فَعَزَّيتُ النَّفْسِ عن لقائهم بتذكارهم ، وعَوَّضْتُها عن مشاهدتهم باستماع أخبارهم، وأملَيْتُ ما حَضَرَني من أنبائهم في هذا الكتاب ومن ذكرهم فطاب ، وسَمَّيْتُهُ دُرَرَ العَقُودِ الفَرِيدَةِ في تراجم الأعيان المفيدة. وهو في الحقيقة ذكري معاهد الأحباب وتذكر عَهْد الشيخة والأصحاب .
والله أسأل أن يُبَرِّدَ في مَقَرِّ البَلَى مَضْجَعَهُم، ويُقرَّ ليوم التناد مَهْجَعَهم، ويَجْمَعَني وهم بدار كرامته في نعمته، ويُنعمني وإيَّاهم بالخُلود مَعَ الأبرار في جَنَّتِه ، بمنه وكرمه . وفي ذلك أقول :
فَقَدْتُ لَعَمْرِي كُلَّ مَا كَانَ لِي يَحْلُو وَأَوْحَشَنِي قَوْمٌ بهم كان لي شُغْلُ “
أقرا صدى كلمات المقريزي في حديث جلال الساعي واحس عميقا بتلك التحية المضمرة مرسلة على امتداد القرون للمشاء القديم الذي أحب القاهرة واعتصر قلبه شيوع الخراب فيها فحمل قلمه وراح يلاحق كل ناحية فيها بالتدوين والتتبع خشية الفوات ولم يعف السلاطين والملوك والامراء والقضاة من لاذع نقده الحاد لما ابتلوا به مدينتنا الحزينة.
أتذكر ترجمته المطولة لبرسباي في الدرر وكيف ملأها بذلك النقد الذي لا يبالي، أفكر كم كان يكن من احتقار وكراهية للاشرف ودولته ورجالها، احتقار ربما لم يفقه فيه سوى احتقاره للناصر فرج بن برقوق او كما سماه أشأم ملوك الإسلام!
أعود للرواية من جديد، استمتع بتلك الصور الحية المتلاحقة لرجال ذلك العصر وذلك التفاعل فيما بينهم؛ تفاعل السلطة السياسية بتياراتها المختلفة، التيار الغاشم قصير النظر دوما والذي لا يبالي في سبيل رفاهيته وتعظيم ارباحه ان يتلف البلاد والعباد تلفا لا برء منه وذلك التيار المعتدل الذي يحاول الاقتصاد في سبيل تحقيق تلك الارباح، تيار ظالم لاشك لكنه يعلم أن ثمة سبلا لاستدامة الظلم دون التخرق فيه وان ربحا اقل قليلا وادوم خير من الارباح الهائلة التي لا يعقبها سوى الخراب التام.
كذلك سمات رجال ذلك العصر، الموظف المجتهد والبليد كذلك، عبد المأمور، معدوم اللمعان كما يصفه والموظف الذي يرتهن للسلطة مع علمه بعيوبها ومكامن الخلل فيها مسلما راضيا والموظف الغبي الاخرق الذي لا يبالي ما فعل ولكل واحد من هؤلاء مثل وصورة حية، اللطيف أن لهؤلاء جميعا اشارات وملامح مجملة يرسمها المقريزي في السلوك وكذلك في ترجمته الحادة لبرسباي في الدرر، لوحة موجزة مقتضبة بأسلوب شيخ علا به السن ضيق الصدر سريع الغضب قد راكم كراهة واحتقارا لم يعد من الممكن ستره تجاه السلطة وغباءها وهو غضب له مبرراته وله أسبابه الشعورية العميقة النابعة من رهافة حس ذلك الشيخ الذي تقدمت به السن وشهد ما شهد.
(لا أملك عند تأمل قرارات السلطان التاجر “من الْحجر على السكر والامتناع من بَيْعه إِلَّا للسُّلْطَان بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم القنطار وَلَا يَشْتَرِيهِ أحد إِلَّا من الحوانيت الَّتِي يُبَاع مِنْهَا سكر السُّلْطَان” والتي كان صاحب الابتكار فيها في حدود علمي ولم يمارسها من قبله أحد والتي تراوح على مر سنين حكمه العمل بها وابطالها، سوى أن أفكر أن ذلك من بين أشياء أخرى جعل الأمر عند المقريزي بمثابة ثأر شخصي وملأ قلبه بالحقد وصدره بالغضب، لاسيما إذا نظرت في فقرته التالية من الخطط عن ذكريات سوق الحلاويين وما كان فيه من الأصناف والالوان متاحة للغني والفقير على السواء، تشرح الصدور وتبهج النفوس، ليست طعاما وبس ولكن بهجة من مباهج المدينة التي غاضت وذبلت
“وكان هذا السوق في موسم شهر رجب من أحسن الأشياء منظرًا ، فإنَّه كان يُصْنَع فيه من الشكر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها تسمى «العلاليق - واحِدُها عَلاقَة - تُرفَع بخيوط على الحوانيت ، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل ، تشترى للأطفال . فلا يبقى جليلٌ ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلئ أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف ، وكذلك يُعمل في موسم نصف شعبان . وقد بقي من ذلك إلى اليوم بقية غير طائلة .وكذلك كانت تَرُوقُ رُؤْيَة هذا السوق في موسم عيد الفطر ، لكثرة ما يُوضع فيه من حب الخشكناني وقطع البسندود والمشاش . ويُشرع في عمل ذلك من نصف شهر رمضان ، فتملأ منه أشواق القاهرة ومصر والأرياف”
إبصار القاهرة تضمحل على مر السنوات ويثقل عاتقها تلك المظالم الفادحة التي ذهبت بحلاوتها ونضرتها واشاعت فيها الخرائب ونقض بنيانها، تراكم ذلك على مر السنين ومع تتابع السلاطين فصم كل عرى الامل في هكذا سلطة وممثليها ولذلك تصاعدت حدة نقده ومرارة نفسه)
كذلك ترسم الرواية بمرح وحيوية تفاعل التيارات الدينية مع هكذا سلطة وفيما بينها، لاسيما حين يكون العلماء والقضاة في موضع ما يمثل حلقة الوصل بصورة ما مع العامة الواقعين تحت وطأة قرارات تلك السلطة الغاشمة (كانت هناك طائفة من العلماء تنعي على الطوائف التي ارتهنت للسلطة ومنحتها الشرعية وتتولاها يالنقد العنيف، من ذلك ما يرويه المقريزي عن شيخ من شيوخه قوله
“وذكر مرة جماعة من أعيان القضاة والمُفتين فقال : القَوْمُ قُطاع الطَّريق . فسألته عن ذلك ، فقال : هُم قُطَّاعُ الطَّريقِ عن الله تعالى وكذا كان دائما يقول : فقهاء زماننا قُطَّاعُ الطَّريقِ عن الله تعالى فلما رأيتُ بعد ذلك الإنجيل إذا فيه : الوَيْلُ لكم يا مُرائين، إنكم تُغْلِقُونَ مَلَكُونَ السَّماواتِ قُدَّامَ النَّاس، فلا أنتُم تَدْخُلُونَ ، ولا تتركون الناسَ يَدْخُلُون” فعلمتُ أنَّ هذا معنى قول الشيخ رحمه الله ، وهذا إنما هو خطاب من المسيح عليه السلام لعلماء اليهود “)
كيف تتماهى بعض تلك التيارات معها وتمنحها الشرعية كمثل البدر العيني وكيف تقطع معها كمثل المتصوف محمد بن علاء الدين وكيف تقاربها على حذر ثم تفارقها لغير رجعة كمثل المقريزي وكيف تندرج فيها بحذر دون أن تتورط في التبرير لها والتسهيل لمظالمها كابن تغري بردي او بالادق كابن حجر
(افتقدت للغاية صورة لابن حجر كمثل المقريزي والبدر العيني وهو ثالث ثلاثتهم في المنافسة الحامية في ذلك الزمن على العلم والتصنيف وكذلك الرعاة من الأمراء والمماليك وقد كان يستحق ذلك التصوير ولاسيما لعنف الخصومة بينه وبين العيني والتي بلغت حد التهاجي بالاشعار وتصنيف الكتب في الرد على الآخر وكذلك فإن ابن حجر شخصية درامية ثرية في علاقته بزوجته واخته وتلاميذه وهو مؤرخ قدير ذو رؤية وتصور للتاريخ كمثل رفيقيه)
ترسم الرواية كذلك تفاصيل تفاعل العلماء لا من الناحية الدينية مع الواقع وتفاصيله ولكن من الناحية الوجودية إن صح التعبير او الناحية التفسيرية بمعنى كيف تتباين الرؤى تجاه السلطة وتجاه الفساد السياسي والاقتصادي، كيف تتنوع التفسيرات وتتفاوت في التعامل مع الاوضاع الاجتماعية و الاقتصادية ودور السلطة فيها كيف يرى المقريزي حركة التاريخ والفاعلين فيه وكيف يفارقه العيني وابن تغري بردي وكيف تؤثر مواقع كل منهم وكذلك أصوله وكفاءاته المتحصلة على مر الزمن في مواقفهم النهائية، لكن في النهاية من جديد هذا ليس كتاب تاريخ، فمن هنا يكون التصرف في رسم الشخصيات وتحليلها.
مع كل صفحة يفكر المرء مرارا وتكرارا في ذلك السلطان الأشرف برسباي، لا تُفرد الصفحات الطوال لعرض شخصيته وتحليلها لكنه دوما هناك يُلمس وجوده في رجاله، في النظام الذي صاغه كمملوك والذي أعاد برسباي نفسه صياغته وتشكيله بقراراته ونجاحاته واخفاقاته، هزائمه وانتصاراته، افكر في المفارقة الهائلة ان هذا الرجل الذي يصفه المقريزي بحدة عارمة فيقول
“كان أبوه من أوضع أهل بلاده قدرا وأشدهم فقرا فأسلم إبنه هَذَا الحداد فَكَانَ ينْفخ عِنْده بالكير ثمَّ مَاتَ فتزوجت إمرأته بِرَجُل فَبَاعَ برسباى هَذَا وَهُوَ صَغِير من رجل يهودي إسمه صَادِق. فخدمه مُدَّة وتلقن أخلاقه وتطبع بطباعه حَتَّى جلبه إلى ديار مصر فإبتاعه الْأَمِير دقماق”
الذي نجح بصورة ما في هزيمة الأسطول القبرصي واسر ملكهم وضم الجزيرة للسلطة المملوكية هو نفسه من دحرج كرة الثلج التي ستغير مسار العالم كله من بعده ببطء وأناة وتزحزح مراكز القوة في العالم القديم مغيرة كل شئ عن وجهه.
هذا الرجل الحيي الذي نهى الناس عن السجود له وتقبيل الأرض بين يديه وصاحب العمائر التقية هو الذي سيحتكر من بين ما سيحتكر السكر داخليا و التوابل خارجيا من خلال متجره السلطاني داعيا الجميع ببساطة لينكحوا أنفسهم فإنه لا يبالي، فليخبط الاوروبيون رءوسهم بالحائط وليذهب كذلك تجار الكارم الى الجحيم وما كانوا يمثلوه من طبقة في القلب من رفاهة النظام المملوكي واستقراره، رفع أسعار الفلفل بما يصرفهم عن بيعه والاوروبيين عن شرائه وليبحثوا عن طريق جديد لهم.
قصر النظر والارتهان لحدود يتصورها المرء ثابتة قد وجدت لتبقى للابد فيدفع الأشياء لنهاياتها ويفاجئه العالم والتاريخ من بعد بمدى هشاشة هذه الحدود والنظم القائمة.
المفارقة كذلك ان هذا الرجل لم يكتف بنقض النظام المملوكي الخارجي ولكنه كذلك وضع النظام الداخلي على مدرجة الانهيار وذلك بالقطيعة مع بعض اسس النظام المملوكي نفسه والذي قام على نوع من التحالف مع طبقة العلماء والإشراف فإذا به يتنكر لكل ذلك فيكون الأمر كما يصفه المقريزي
“بل كان أسوأ الناس سريرةً لما اشتمل عليه من معاداة رعيته وإظهار بغضهم والإعلان بمقتهم، فيضع من الأشراف ويُهينهم ويُوقفهم بين يديه، ولم تجر بذلك عادة.”
ولم تجر بذلك عادة.. هنا موضع اللفتة الذكية من المقريزي..
خطر لي كذلك أول ما تناولت الرواية أو بالادق كان أحد أسباب رغبتي في قراءتها، كيف سيكون تصوير طلال للقاهرة، مسرح أحداث ذلك التاريخ كله وميدان صراعاته وتفاعلاته، أعلم القليل للأسف عن طلال لكن من بين ما أعلم أنه قضى وقتا طويلا بالخارج بعيدا عن القاهرة ولطالما خامرني الشعور بحاجة المرء لزمن طويل من معايشة القاهرة القديمة كي تتوطد صلته بها وتبوح له باسرارها وكان ذلك دوما من أسباب خشيتي من الغربة إذ تفصل المرء عن مدينته جدران كثيرة لا تنفع في ازالتها او مطامنتها الزيارات مهما طالت.
لذلك وددت لو عرفت كيف تعامل طلال مع ذلك ؟ كيف اكتسب ذلك الشعور بالمدينة وتغلغل في روحها، لكني مع المضي في الرواية ومع الانتهاء منها شعرت بنوع من الإحباط، المدينة هاهنا قطعا لكنها متوارية إلى حد ما ، شوارعها ودروبها وأزقتها وعمائرها المملوكية الباذخة المهيمنة على سماءها، رجعت على نفسي باللوم في النهاية لا يمكن للرواية أن تقدم كل شئ لكني سرعان ما كنت أقول لنفسي لكن الأشرف برسباي سلطان بناء بدرجة ما، بخلاف المؤيد شيخ مثلا او الظاهر برقوق او ابنه الناصر والذين أكتفى كل منهم بعمارة مسجد او مدرسة مميزة باهرة فإنه خلف لنا ثلاث عمائر ضخمة في مواضع ليست بالمتوارية ولكنها تكشف شيئا من طموحه الهائل لا لتخليد سيرته فقط ولكن لمنازعة السلاطين العظام، بالبناء على شارع القصبة العظمى شأن الأسرة القلاوونية وشأن سيده برقوق وكذلك في صحراء السلاطين ثم منازعا الناصر نفسه في بناء خانقاه قريبة للغاية من الخانقاه الناصرية.
هذا الطموح الهائل الذي لا يبالي في سبيله ان يكون مجمعه في صحراء المماليك على مرمى حجر من خانقاه فرج بن برقوق الباذخة الجمال والمهيبة! الم يفكر يوما في المقارنة التي سرعان ما ستنعقد في نفس كل من يبصر العمارتين الهائلتين ؟ ثم تلك المفارقة في ان ذلك السلطان الذي ارهق كواهل الناس بالضرائب والمكوس والتحكير هو عينه الذي لا يكتفي بخانقاه واحدة بل اثنتين على أطراف المدينة.
( ما الذي خطر بباله يا ترى، سيده برقوق كان واضحا في أمنيته أن يدفن تحت اقدام الصوفية لعل ذلك يشفع له! لعل دوي اصواتهم بالتلاوة والذكر على مقربة منه يخفف عنه، هل فكر برسباي كذلك في الأمر ؟ أم تعامل مع مجمعه بمثابة جبانة عائلية فخمة ليست له فقط ولكن لأسرته ولربيبه جانبك، في الحكاية المشهورة أن خوذة الملك القبرصي جانوس لم تعلق على باب من أبواب القلعة ولا على أبواب المدينة ولكن في مدرسته/مسجده بالشارع الأعظم، عمارة دينية تعمل عمل هيئة اعلامية/للبروباجندا ام تقربا الى الله بظنه فهو اقرب لان يراها في بيته!! وكأنه لا يرى عمله في كل زمان ومكان! مخاتلة؟ ام سذاجة ؟)
وللمفارقة فهو في سبيل البناء لا يدخر وسعا في ترك الغصب وتسخير الناس ويوفيهم أجورهم، يشهد بذلك المقريزي نفسه وان كان ينسب الفضل في ذلك لعامله فيقول
“ولم يُسخر في عمارتها أَحَدٌ من الناس كما أحدثه ولاة السوء في عمائرهم (واخد بالك 😀) بل كان العمال من البنائين والفَعَلَة ونحوهم يَوَفَّوْن أجورهم من غير عُنْفِ ولا عَسْفٍ ، فَإِنَّه كان القائم على عمارتها القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيش، وهذه عادته في أعماله أن لا يُكَلِّف فيها العمال غير طاقتهم ، ويدفع إليهم أجرهم”
المفاجئ ان المقريزي في خططه على حد علمي لا يذكر سوى المدرسة في شارع المعز ويهمل ذكر الخانقاوين الاخريين ولاسيما تلك في مجمعه بصحراء المماليك وحتى المدرسة يذكرها باقتضاب وعجلة بالخلاف مثلا مع الجامع المؤيدي الذي يفيض في الثناء عليه والتعظيم من شأنه ومن ضخامة بنيانه وروعته (الحقيقة ان جامع المؤيد ومأذنتيه في الغاية من الجمال ولا معنى للمقارنة مع عمارة برسباي لكن التفاوت في الوصف يظل لافتا)
(تبدو في الصورة مأذنة مجمع برسباي المشوهة في تناقض عنيف مع مأذنتي الخانقاه البرقوية الرشيقتين وبديعتي البهاء، ليست بالطبع المأذنة الأصلية لكنها بمثابة انتقام من القاهرة على يد واحد من ابناءها الذي قرر لسبب ما ان يمنح ذلك البناء البديع متهدم المأذنة ذلك الخازوق المزعج والبشع مرمما ههه)
كنت أحب أن تفيض الرواية قليلا في تصوير عمران القاهرة وولع اهلها بها وبعمارتها لا السلطان وحده ولكن البدر العيني مثلا مميزا عن سائر طبقته من العلماء والقضاة ينشأ مدرسته الخاصة ويستقدم لها الصناع من منشأه في الاناضول ليتركوا بصمتهم الفنية فيها وكذلك جنبك الأشرفي ربيب برسباي والذي يترك لنا جامعه المميز جامع الجنبكية الباقي حتى يومنا خارج باب زويلة وغيرهم.
ويا سلام لو كانت الرواية أعادت إحياء تأثر الناس في ذلك العصر بحركة البناء وتفاعلهم معها، ذلك النوع من التفاصيل الذي في ظني تصلح له الرواية، كمثل التفاصيل المقتضبة التالية والتي يوردها المقريزي في ثنايا كلامه عن جامع ابن طولون
“ ورأى أحمد بن طولون الصنّاع يبنون في الجامع عند العشاء، وكان في شهر رمضان فقال: متى يشتري هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم وأولادهم، اصرفوهم العصر. فصارت سنّة إلى اليوم بمصر. فلما فرغ شهر رمضان، قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى رسمهم. فقال: قد بلغني دعاؤهم، وقد تبرّكت به، وليس هذا مما يوفر العمل علينا. وفرغ منه في شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين، وتقرّب الناس إلى ابن طولون بالصلاة فيه، وألزم أولادهم كلهم صلاة الجمعة في فوّارة الجامع، ثم يخرجون بعد الصلاة إلى مجلس لربيع بن سليمان ليكتبوا العلم، مع كلّ واحد منهم ورّاق وعدّة غلمان. “
أو تفاصيل افتتاح تلك المنشآت واحتفال السلطان بذلك وابتهاج العامة كمثل ما وصف من احتفال الناس بجامع المؤيد، و كذلك ذلك الشعور العارم بالخراب الذي تفشى في نفس المقريزي وتبدى في تدويناته وجولاته في نواحي القاهرة هذا الشعور الذي كما ذكرت بالأعلى تنامى على مر السنوات بشهود تداعي القاهرة كان يمكن أن يجعل المكان في الرواية بطلا بحياله يتبدل على مد سنواتها الطوال وتتبدل به نفوس قاطنيه ومحبيه كمثل المقريزي نفسه فيمتزج مصير المؤرخ بمصير قصور الذاكرة التي تهدمت من حوله وغدت خرائب و أطلالا توقظ فيه كلما رآها حزنا يشدد عليه الخناق فلا يفلته، لكن هذه محض تمنيات لا تنفي جمال الرواية وسعادتي الهائلة بها وما ترسب في نفسي من حزن الانتهاء منها!
“وما أخوفني أن يكون أمر القاهرة كما قيل:
هذه بلدة قضى الله يا صاح عليها كما ترى بالخراب
فقف العيس وقفة وابك من كان بها من شيوخها والشباب
واعتبر إن دخلت يوما إليها فهي كانت منازل الأحباب”
المقريزي
(في الفيديوهات التالية تعريف بعمائر برسباي ونوع من المدخل لعصره وشخصيته اقرب للتاريخ الرسمي لكنه يظل لطيف ومفيد
)
(يُتظنى من الكآبة إذ يبدو لعيني مصبح أو ممسي
مزعجا بالفراق عن أنس إلف عَزّ أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات المشترى فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلدا وعليه كلكل من كلاكل الدهر مرسي
لم يعبه ان بُز من بسط الديباج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات في رءوس رضوى وقدس!)
البحتري
إذا بلغت هذا الموضع فأحب أن ارشح لك كتاباتي التالية عن القاهرة وسلاطينها :






