بين الحسين وغزة وانتفاضة التوابين
عن اللقاحية العربية والفرار إلى التاريخ والحياة المضنية في زمن غزة ١
“فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحة واحدة، وبكوا، فما رئي يوم كان أكثر باكيا منه!”
الطبري
استشهاد و انتفاضة
في انتفاضة أهل الكوفة بعد استشهاد الحسين رضي الله عنه ملامح إنسانية مبهرة، بداية من ذلك الضعف الإنساني والعجز عن نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما نجم عنه من الشعور العميق بالخزي والندم والحاجة الملحة إلى التكفير عن ذلك الذنب والعجز عن احتمال الحياة معه.
سيعمل ذلك العجز فيما بعد على تحويل السخط والندم إلى حراك وحشد وتهيئة للعمل من تحت الرماد ثلاث سنوات حتى يهلك الطاغية، فيستعلن الناس حينئذ منتهزين ذلك الصدع الذي ألم ببنيان السلطة الغاشمة فتجد تلك الدعوات والاحتشاد مصداقها وتبحث عن تحققها بالخروج لقتال الظلمة قتلة الحسين.
لا يقرب هذه الانتفاضة من قلبي صدقها وحده أو ما تجلل به رءوسها من ندم كبير وشعور عارم بالخذلان وتحركهم وفقا لذلك، ولكن أيضا ما تعنيه لي من إمكان اللحاق بركب الثائرين على الظلم وإن فات مطلعه، إن أخفق المرء في تلبية النداء عند سماعه فلا يعني ذلك الإخلاد إلى الظلمة والركون إليهم.
أن تنتمي للحسين !
يدنيها من نفسي ما تقدمه كذلك من خروج على السؤال القديم المتجدد هل كنت لتخرج مع الحسين أم تقاتل مع يزيد بما يثقل الكاهل من عبء ذلك السؤال، فيصبح هناك إمكان أن تخذلك نفسك في نصرة الحسين أول الأمر لضعفها وعجزها ثم تتحامل على هذا العرج وتتقدم وتلحق بركب التوابين أو تصحب المختار أو تدرك دير الجماجم أو تسند زيد بن علي إلى آخر تلك الموجات المتتابعة من رفض الظلم والثورة عليه.
أن تنتمي للحسين في روحه، أن يكون قلبك في موضعه الصحيح من نصرته، وإن ترددت قدماك وارتعشت يداك وخانك فمك فلا يضيرك ذلك ما استدركت ولحقت.
إن كان الخروج الحسيني بطولة سامقة في شجاعتها وعنفوانها وعرامتها فالحركة التوابية بطولة في انسانيتها وضعفها وقهرها ذلك الضعف!
لا يعني ذلك بطبيعة الحال تهوينا أو ادعاء يسر ذلك الاختيار على من يختاره ويتحقق به فمن بين ستة عشر ألفا ندبوا أنفسهم للخروج والقتال والتكفير عن خذلانهم لم يخرج في النهاية ويفي بعهده سوى أربعة آلاف!
تطهر من خذلان
اللافت في هذه الانتفاضة هو تجردها واخلاصها وانطلاقها من هم خذلان الحسين رضي الله عنه، ذلك الخذلان الذي نستشعره اليوم جليا في موقفنا من غزة وأهلها يذبحون ويجوعون ويفتك بهم جهارا نهارا على مرأى منا ومسمع.
أقول تنطلق الحركة التطهرية من ذلك الهم غير مشوبة بسواه مما سيعتري لاحقا حركات كمثل حركة المختار الثقفي والتي تابعت حركة التوابين وتمكنت بالفعل من الثأر من قتلة الحسين لكن اختلطت فيها الدوافع وارتبطت بقوة بما حاق بالموالي من ظلم وهضم حق في تمثل لافت لحراك المستضعفين معا للانتصار من ظالميهم وان عابها بعض ما مخرق به المختار وتكذب.
واقسم ما كرسيكم بسكينة وإن كان قد لفت عليه اللفائف
يحج الناس من ثم إلى قبر الحسين جماعات جماعات يسوقهم ذلك الإحساس العميق المراكم من آثار المقتلة المروعة..
يبكون عنده ويضرعون ويقسمون على الثأر، يالثارات الحسين!
(هل نشهد يوما بصورة ما يا لثارات غزة ؟!)
في مشهد ملحمي يستفتح به فصل من فصول الثورات العربية الحارة العنيفة على الملك العضوض والسلطة المبيرة، يقود الناس شيخ أعجف هزيل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كما يقال في إشارة إلى ذلك التيار الموصول بسنة النبي وميراثه في العدالة والمساواة والشورى ونبذ قيم الجاهلية واستحياء لما جاء به صلى الله عليه وسلم مقابلها.
يرفض هؤلاء النفر كل أنواع الموائمات والموازنات والتحالفات ويعيدون خروج الحسين نفسه في مواجهة السلطة، لا يستطيع الناظر إلى تاريخ الدولة الأموية من ثم ألا يبصر ضربات المعاول المتتابعة تلك على بناءها المشمخر قد علا على الحديد والنار وجماجم الشهداء والثوار رغم انتصارها اللحظي وعلوها على كل من خرج عليها، كجدار يريد أن ينقض كلما رفعوه تتابعت عليه الأمواج حتى ذهبت به في طواياها.
يقاتلون بجأش رابط ويندفع القُصاص بينهم يحضضونهم على طلب الشهادة والأمل فيما عند الله في مشاهد متتابعة تبهر النفس من شجاعتها وبأسها والاستحالة الكامنة فيها كذلك!
هذا قتال محكوم عليه بالهزيمة في ساعتها!
(ألا ترى معي المشَابه ؟ ألا تحلم مثلي بالانضمام إلى ركب التوابين ؟)
لا حيلة للشجاعة والجرأة الوافرة ازاء عنفوان السلطة وامدادها المتلاحقة
( اليس ذلك ما تثيره في النفس بطولات المقاومين في غزة مع كل تسجيل لهم ؟
بطولة منذورة للهزيمة وشجاعة على أنقاض متداعية وقتال لآخر المدى وغاية الرمق!
لكن الحصار مطبق والعدو قد تأله في لحظة تبدو كأنها أبد ثقيل!)
لكن ذلك لا يمنعهم من الاستبسال والتعاور على رفع الراية عالية حتى يوشك أن يبيدوا فلا يتراجع الا نفر قليل للقتال يوم آخر.
رحم الله الحسين وكل من سار على دربه ومن علينا بتوبة كتوبة التوابين!
من رواية الطبري
روى الطبري في تاريخه :
لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه.
ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وكان من أصحاب علي وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي...
يومها ولوا سليمان ابن صرد، فتكلم فقال: أثني على الله خيرا، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسوله، أما بعد، فإني والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير..
إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنيهم النصر، ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنا، وتربصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ، ويسأل النصف فلا يعطاه، اتخذه الفاسقون غرضا للنبل، ودرية للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه
ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله، أو تبيدوا ألا لا تهابوا الموت فو الله ما هابه امرؤ قط إلا ذل
كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: «إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم»فما فعل القوم؟ جثوا على الركب والله، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه! اشحذوا السيوف، وركبوا الأسنة، «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل» ، حتى تدعوا حين تدعون وتستنفرون.
بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه، وقد كان واعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره، فدار في الناس ووجوه أصحابه، فلم يعجبه عدة الناس، فبعث رجلين من رجاله وقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا: يا لثأرات الحسين!
وابلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك، فخرجا، وكانا أول خلق الله دعوا: يا لثأرات الحسين! حتى مرا برجل من الأزد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته، وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه، سمع الصوت: يا لثأرات الحسين! وما هو ممن كان يأتيهم، ولا استجاب لهم فوثب إلى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فرسه
فقالت له امرأته: ويحك! أجننت! قال: لا والله، ولكني سمعت داعي الله، فأنا مجيبه، أنا طالب بدم هذا الرجل حتى أموت، أو يقضي الله من أمري ما هو أحب إليه، فقالت له: إلى من تدع بنيك هذا؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له، اللهم إني أستودعك أهلي وولدى اللهم احفظني فيهم فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها.
ثم خرج الناس فصبحوا قبر الحسين، فأقاموا به ليلة ويوما يصلون عليه، ويستغفرون له، قال: فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحة واحدة، وبكوا، فما رئي يوم كان أكثر باكيا منه.
قال أبو مخنف عمن روى: لما انتهينا إلى قبر الحسين ع بكى الناس بأجمعهم، وسمعت جل الناس يتمنون أنهم كانوا أصيبوا معه، فقال سليمان: اللهم ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم ثم انصرف ونزل، ونزل أصحابه.
قال أبو مخنف عمن روى: لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة: يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين…
قال: فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون، فما انفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره، وزادهم ذلك حنقا ثم ركبوا، فأمر سليمان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحم عليه، ويستغفر له، قال: فو الله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود
قال: ووقف سليمان عند قبره، فكلما دعا له قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد: الحقوا بإخوانكم رحمكم الله!
فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمان بالقبر هو وأصحابه، فقال سليمان: الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين، اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده.فغدوا علينا وغاديناهم، فقاتلناهم قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة حتى أمسينا فتحاجزنا، وقد والله أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فيهم، ورأى سليمان بن صرد ما لقي أصحابه، فنزل فنادى:
عباد الله، من أراد البكور إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلي، ثم كسر جفن سيفه، ونزل معه ناس كثير، فكسروا جفون سيوفهم، ومشوا معه، وانزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سليمان بن صرد رحمه الله، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع!
قال: فلما قتل سليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة، وقال لسليمان بن صرد: رحمك الله يا أخي! فقد صدقت ووفيت بما عليك، وبقي ما علينا، ثم أخذ الراية فشد بها، فقاتل ساعة ثم رجع، ثم شد بها فقاتل ثم رجع، ففعل ذلك مرارا يشد ثم يرجع، ثم قتل رحمه الله. "
(كُتبت في يوليو ٢٠٢٥ بعد مصاحبة للتوابين وانغماس سبقه شعور عميق بالتوحد معهم في إحساسهم العارم بخذلان المقاومة ممثلة في ابن بنت الرسول صلى الله عليه وسلم)




